مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٢٢
هو ان العلم مع باقى ائمة الاسماء لها توجهوا الى ايجاد عالم التدوين و التسطير، و ابزار المعلوم فى ملابس التشكيل و هياكل التصوير، اذا الاسماء ما دامت فى مواطن الجلالى و التعين الاطلاقى لا يتمكن من انفاذ احكامها، كان اوّل ما ظهر من ذلك جوهرا بسيطا من غير مادة و مدة، يسمى بالعقل الاول من حيث انه الخازن الحفيظ الامين على اللطائف الانسانية التى هى الغاية للحركة الايجادية، و القلم الاعلى من حيث التدوين و التسطير، و الروح الاعظم من حيث التصرف و التدبير، و العرش المجيد من حيث الاستواء، ثم انه لغلبة حكم الاجمال ما كان يثبت فيه ذلك التصوير بضرب من التفصيل المعنوى، فظهر جوهر اخر يقبل ضربا من التفصيل، هو النفس الكلية و اللوح المحفوظ و العرش الكريم، ثم ان هذه المرتبة لتروحها غير قابلة للتصويرات و التشكيلات المثالية، فاقتضى الامر التنزل الى مادة قابلة مهيأة لقبول التصوير و التشكيل، و هى الهباء المعروفة بالهيولى، فتصور فيها بعد من العقل يسمى بالطول، و اخر من النفس يسمى بالعرض و اخر الى جهة المركز المتوجه إليه العنصر الاعظم و هو العمق، فظهر جسم الكل.
ص ١٥٧- س ٢٠- قوله: فنقول: هذه شبهة قوية:
اقول: قال تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي، قد استشعر بعض اجلة اولياء العلم و الورثة الختمية من هذه الآية الكريمة لطيفة لا يخلوا لتعرض لها من قواعد عائدة باشارة ما الى مقامنا هذا الّذي تحيرت فيه عقول الفحول، الذين هم من مشاهير الاعصار و الدهور، و ذلك انه نقل عن سهل بن عبد الله التسترى رضى الله عنه، حتى سأل عن النفس ليس نفس المؤمن، نفس المؤمن دخلت فى البيع الّذي باعها فيه و اشترائها منه، و تلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، فقال: دع النفس الى رب النفس، و اعبد رب النفس بلا نفس، و اذكره به لا عنده و قربه إليه، و اعتكف عنده بلا انت، فاذا هممت بالدواء عند المرض و بالخبز عند الجوع و بالشكوى عند الاذى، فنفسك باقية و انت بها قائمة، ثم قال: يعنى الناقل الكامل انه كلام صحيح فى مرتبته و فى هيكله و قامته لمن انتهى امره، دون قيام قيامته و الوصول الى ادراك حقيقته عند بسط سعة ساعته، فاما المؤمن الواصل الى ادراك حقيقة ايمانه الّذي سلم نفسه الى الله عز و جل، نزل آياته و بيناته إليه (نزول آياته إليه و بيناته، هكذا) فالنفس له، و ليس لغيره نفس، لان من لم يسلم نفسه الى الله بعد البيع و الشراء، فليس النفس له، بل هو لنفسه، و من سلم نفسه الى الله بعد المبايعة بطيبة نفسه كنبينا محمد صلى الله عليه و آله، بمقتضى محبة و صحة ارادته و استقامة حاله، فالنفس له، لان بالبيع و الشراء و تسليم لله تعالى صارت النفس نفس الله و صارت الرحمة مكتوبة عليها فانصبغت النفس المضافة الى الله بصبغته تعالى، و هى احسن من الله صبغة، و صارت مفروغة فى قالب فطرته، و تحملت مقادير خطه و كتابته، فظهرت بذلك و صارت ثوبه بيضاء مغسولة فى بحر نوره بماء الرحمة، ساكنة ببرد اليقين، مطمئنة آمنة، فاخذ اللّه تعالى