مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٠٥
الاعراض عن عوائق ظهور العلم، و نوع من التوجه و المواجهة الى موطنه الاصلى، منزلته منزلة توجية مرآة القلب الى الموطن النورى الّذي هو قاعدة مخروط نور العلم بحقائق الاشياء كما هى، و القلب الناظر المتفكر هو المرأة المواجهة الى ذلك الموطن، فيتجلى منه قلبه، و من هاهنا صارت ملاك ظهور العلم و اظهاره، و اما المدارسة فهو التعليم و التعلم دون ملازمة الفكر، يسمن و لا يغنى من جوع، و ظاهر ان الفكر الموصل الى المقصود، و العلم لا بد له من العلم الصالح المصلح للقلب عن الشواغل و العوائق، فليتدبر.
ص ١٣٢- س ٣- قوله: ادركته بتمامه:
هو التصور، اذا التصور مشتق من الصورة، و الصورة تقابل المادة، و مادة الشيء هى ملاك كونه بالقوة بمعنى كونه هو الشيء بوجه النقيصة، فالصورة القابلة للمادة معنى، ان هى الا ملاك فعلية الشيء و تماميته، و اما الصورة المقارنة للمادة و المخالطة بها، المعدة بها وجودا، فسر عدم تماميتها حال تلك المخالطة، هو مخالطة المادة، فعدم تماميتها نشأ من المادة و رجع إليها، فاذا صارت مفارقة عنها يبقى تماما من دون ان يتشابك بشوائب النقيصة، و الصورة العلمية سيما العقلية منها التى بعدت من افق المادة جدا، و ارتفعت من افقها الى اوج العقلية تامة غير مشوبة بوجه من نقيصة القوة، و من هاهنا صار العالم العقلانى عالما تاما بحسب بداية الفطرة، و ليس له كمال منتظر و حال بالقوة، و من هاهنا أيضا يفسر التصور و الصورة العقلية بحصول حقايق الاشياء بانفسها فى الذهن، و لهذا التفسير ضربان من المعنى، كل بمشرب طائفة، ضرب منه معناه حصول ماهيات الاشياء و طبائعها الكلية بانفسها فى الاذهان البشرية، هذا هو مشرب جمهور الحكماء، الحكماء القائلين بالوجودين الخارجى و الذهنى للماهيات الكلية، المتأصلة فى الوجود العينى، و اما الضرب الاخر منه كما هو مشرب اهل العلم من الحكماء المتألهين و الاولياء العرفاء الواصلين، فهو ارتفاع الروح الانسانى عند تعقل حقائق الاشياء عن افق الكونين، و انسلاخه عن جلباب العالمين الصوريين، و دخوله فى عالم القدس و الواد المقدس و شهوده حقائق الاشياء التى هى الارواح الالهية، خزينة من خزائن علمه تعالى، حفيظ حافظ لما دونه، محفوظ بحفظه تعالى اياه، و عالمها عالم الالهية و الربوبية، كل منها يتفاوت بين مقاماتها و درجاتها من الارباب الموكلة على انواع العالم الطبيعى، من العلوى و السفلى، و كلمة من الكلمات التامات الالهية، و جامع جوامعها هو الروح المحمدى المسمى بروح القدس الاعلى فى السنة اهل اللّه، و بعقل الكل فى السنة الحكماء، و هو حقيقة القرآن التى نزلت من عند ربه الاعلى و تمثلت بكسوة الحروف و الالفاظ المحسوسة بحواسنا، و ذلك النور المحمدى و الروح الاعظم القرآني هو علم اللّه البسيط المحيط بحقائق الاشياء و رقائقها كلها، و هو الحفيظ الحافظ لكل ما دونه من الكتب السماوية، و الكتاب الفرقانى النازل على نبينا صلى اللّه عليه و آله، كما قال تعالى: نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، فذلك الروح الاعظم المحيط