مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٩٨
لأن الشر لا ذات له بل هو أمر عدمي إما عدم الذات أو عدم كمال الذات و لو كان وجوديا لكان إما شرا لنفسه أو شرا لغيره و الأول مستحيل و إلا لم يوجد لأن وجود الشيء لا يقتضي عدم نفسه أو عدم كماله إذ لا شبهة في أن جميع الأشياء طالبة لكمالاتها و لا جائز أيضا أن يكون شرا لغيره لأن شريته بأن يكون يعدم ذلك الغير أو يعدم كمالا من كمالاته إذ العلم الضروري حاصل بأن كل ما لا يعدم شيئا و لا يعدم كمالا له فإنه لا يكون شرا لذلك الشيء و حينئذ فليس الشر بالحقيقة إلا ذلك العدم لا ذلك الأمر الوجودي إلا بالعرض و أنت إذا تأملت حال الشرور و استقريت آحادها في هذا العالم وجدت كل ما يطلق عليه اسم الشر إما عدما محضا أو أمرا مؤديا إلى عدم فالموت و الجهل البسيط و الفقر و أمثالها عدميات محضة و الأشياء المانعة لأشياء أخرى عن الوصول إلى كمالاتها كالبرد المفسد للثمار و الحر المعفن لها و المرض المضاد للصحة و الأخلاق الذميمة كالبخل و الجبن و الإسراف و الجهل المركب و الأفعال القبيحة كالزنا و السرقة و النميمة و الظلم و أشباهها من الآلام و الأحزان و غيرها فإن كل واحد من حيث ذاتها و وجودها ليس بشر بل هي كمالات لأمور جسمانية أو نفسانية و من حيث تأديتها إلى الأعدام شرور فيكون شرورا.
فإذا تقرر هذا فنقول الموجودات الصادرة عن الباري جل ذكره يجب أن يكون فيها ما هي خيرات محضة من غير آفة و نقص في نوعها و شخصها كعالم الأمر و عالم السماوات و فيها ما هي خيريتها غالبة على شريتها و هي الموجودات التي في هذا العالم الأرضي مما يلحقها شر و آفة بحسب أفرادها لتصادم الأضداد و تزاحم الأحوال فهذان القسمان مما يجب صدورهما عن المبدإ الأول أما القسم الأول فظاهر و أما القسم الثاني فلأن في ترك الخير الكثير المستلزم للشر القليل شرا كثيرا و أما ما كله شرا أو الغالب و المتساوي فلم يوجد منه أصلا فإذن قد علمت أنه ليس في الموجودات ما لم يجز صدوره عن الخير الأول و النور المطلق و يحتاج إلى مبدإ آخر غيره لعدم مناسبته إلى الأول فهذا طريقة الحكماء في دفع الإشكال المذكور و قد تفاخر به معلمهم أرسطاطاليس و حاصله