مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٤٥
ص ٢٠٦- س ٥- قوله فى ظلمة:
اعلم ان تلك الظلمة لهى العدم الاضافى الّذي هو وعاء التقرر الثبوتى للاعيان قبل وجودها و دخولها تحت ذل كلمة كن، و تقرر ذوات الاشياء كل شيء بما هو عليه، و حد نفسه فى ذلك الوعاء العدمى الاضافى و صقع من الازل هو ميزان الموازين القسط و العدل الّذي به يوازن الخير و الشر بالقياس الى ذات كل شيء، اذ ما لم يتعين شيئية الشيء و لم يتميز ما به هو هو و ما هو عليه فى حد ذاته و حريم نفسه لا يمكن ان يتميز خيره من شره، و شره من خيره، اذ خير الشيء هو ما يناسب و يلائم قوام ذاته و تجوهره، و شره هو ما ينافى قوامه و تقوم ذاته، فيتعين خير الشيء و شره يتأخر بالضرورة عن تعين ذاته فى حد ذاته، و تقرر نفسه فى حد نفسه، فمن هاهنا صارت ذوات الاشياء فى تقرراتها الثبوتية الاصلية اصولا ميزانية و موازين اصولية، فالمعاملة معها حسبما اقتضتها ذواتها الميزانية ان هى الا معاملة عدلية، لا ظلم و لا جور، و لا بين و لا شين فى تلك المعاملة بوجه اصلا، فاذا استنادت تلك الذوات الازلية المعدومة بالعدم الاضافى من ربها، الدخول فى تلك الوجود الّذي ملكه تعالى و سألت منه الاذن فى ذلك الدخول حال العدم المنافى للوجود، فاذن تبارك و تعالى بقوله: كُنْ، فدخل كل فى دار جوده المختص به و توابعه، فكان بعد ان لم يكن، و ذلك كما قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، هذا هو محصل خلق الخلق فى ظلمة الى اخر ما يتضمنه حديث الخلقة فى الظلمة فى البداية، و للخلقة فى الظلمة مقام اخر هو غير مقامنا، هذا الّذي كان البحث هاهنا عنه، فانه عزيز المنال و صعب الاحتمال، لا يحتمله الا ملك مقرب او نبى مرسل او مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان، اللهم اجعلنا ممكن يمكن من احتماله.
و ان نشأة تلك الظلمة نشأة عدمية، و هى نشأتان: نشأة سابقة على نشأة الوجود و الايجاد، و هى نشأة ازلية ثبوتية عدمية اضافية، و نشأة فى عالم الكون و التكوين، متأخرة عن تلك النشأة الازلية العلمية السابقة سبق الامكان على الوجوب و الايجاب و الوجود و الايجاد، و اما النشأة الظلمانية المتأخرة فهى نشأة هيولانية سابقة على الوجوب الكائنة بعد ان لم يكن سبق الاستعداد على الوجود التدرجى و الايجاد التدريجى و الكون و التكوين، فله وجه التصرم و التقضى، و على نعت الاستمرار التجددى و الاتصال التصرمى، فالخلق الاول هو خلق العين الثابت فى ظلمة العدم الاضافى، و الخلق الثانى هو الخلق فى ظلمة القوة الهيولانية التى هى مثال تلك الظلمة الازلية التى نزلت الى صف نعال، قاعدة مخروط الظلمة المعبر عنها بالهياء فى السنة الوحى و العرفان، و بالهيولى فى السنة الحكماء، و الميزان الاصلى هو اعتبار تلك الظلمة الازلية التى هى مبدأ الاعيان و معادها، و بحسبها يظهر احكام الاعيان فى عالم الكون بل فى الكونين فى وجه، فليتأمل.
انما ذلك كذلك مع لزوم كون المحسن و المسيء و الحسن و القبيح من