مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٤
المتشعبة فهو منغمر في بحر الظلمات أسير في أيدي الهوى و الشهوات فتارة تجذبه الشهوة و تارة يستعمله الغضب و تارة يستعبده الهوى و تارة يستهويه الشيطان لكونه نائما عن عالم الوحدة في مراقد الجهالات ثم إن أدركته لمعة من أنوار الرحمة تيقظ من رقدة الجهالة و تنبه من نوم الطبيعة و تفطن بأن ما وراء هذه المحسوسات عالم آخر و فوق هذه اللذات الحيوانية لذات أخر فحينئذ يتوب عن اشتغاله بالمزخرفات و ينيب إلى الله من هذه المنهيات التي زجرها الشارع فيشرع في التدبر في آيات الله و استماع مواعظه و التأمّل في أحاديث نبيه و العمل بمقتضى شريعته فيشرع في ترك الفضول الدنياوية من الجاه و المال و غيرهما طلبا للكمالات الأخروية و يعزم عزما تاما إن أدركته العناية الإلهية إلى التبتل إليه و السلوك نحوه من موطن نفسه و مقام هواه فيظهر له لوامع الملكوت و ينفتح له باب الغيب و يلوح له لوائح عالم القدس مرة بعد أخرى فيشاهد أمورا غيبية في صورة مثالية فإذا ذاق منها شيئا يرغب في الخلوة و العزلة و ذكر الله على الدوام و يفرغ القلب عن المشاغل الحسية و يتوجه باطنه إلى الله بالكلية فيفيض عليه العلوم اللدنية و الأسرار الإلهية و يظهر له أنوارا معنوية حقيقية تارة و يختفي عنه أخرى حتى يتمكن و يخلص من التلوين و ينزل عليه السكينة الروحية فيدخل في عوالم الجبروت و يشاهد العقول المفارقة و يتحقق بأنوارهم و يتنور بأسرارهم فيظهر له سلطان الأحدية و سواطع العظمة و الكبرياء فيجعله هباء منثورا و يندك جبال إنيته فيخر له خرورا و هو مقام الجمع و التوحيد و في هذا المقام يستهلك في نظره الأغيار و يسمع نداء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [١].
و قد ظهر مما ذكرنا أن جميع أفراد الناس مما يوجد فيهم الحركة المعنوية نحو الآخرة إلا أنهم يتفاوتون في كيفية هذه الحركة و يتفاوتون في درجات القرب و البعد من الله فبعضهم ممن يسعى نوره إلى الله كقوله تعالى يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٢] و منهم من تجذبه
[١] . غافر ١٦
[٢] . التحريم ٨