مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٧
شيء موقوف على ذلك الشيء فالجميع موقوف على الغذاء و للغذاء أسباب لا يحصل إلا بالتمدن و الاجتماع و لهذا قيل إن الإنسان مدني بالطبع فاختلفت أعداد و افترقت أحزاب و انعقدت ضياع و بلاد ثم لو ترك الأمر فيه من غير تعريف قانون مضبوط مرجوع إليه في الاختصاصات لتهارشوا [١] و تغالبوا فتقاتلوا و فسد الجميع و انقطع النسل و اختل النظام لما جبل عليه كل أحد من أنه يشتهي لما له و يغضب على ما عليه و ذلك القانون هو الشرع فالقرآن مشتمل على شرح قوانين الشريعة و ضوابط الاختصاص في آيات المناكحات و المداينات و المواريث و قسمة الزكاة و الغنائم و أبواب العتق و الكتابة و الاسترقاق و السبي و العقوبات الزاجرات عن أسباب المفاسدة كقتال الكفار و أهل البغي و الحدود و الغرامات و القصاص و الديات و الكفارات أما القصاص فدفعا للسعي في إهلاك الأنفس و الأطراف و أما الحدود كحد السرقة و الزنا و غيرهما فدفعا لما يستهلك الأموال التي هي من أسباب المعاش و الأنساب التي هي طريق الحرث و النسل و أما جهاد الكفار و أهل البغي فدفعا لما يفسد به اعتقاد أهل الحق إذ يتشوش بسبب مروق المارقين عن ضبط السياسة التي يتولاها حارس السالكين و كافل المحقين نائبا عن رسول رب العالمين و اشتمال القرآن على الآيات الواردة في هذا الجنس مما لا يخفى عليك و ما يشتمل هذا القسم عليها يسمى علم الحلال و الحرام و حدود الأحكام و هذا العلم يتولاه الفقهاء و هو علم يعم إليه الحاجة لتعلقه بصلاح الدنيا أولا ثم بواسطته بصلاح الآخرة و لذلك يتميز صاحب هذا العلم بمزيد الاشتهار و التوقير و التقديم على غيره من الوعاظ و القصاص و المتكلمين و لذلك كثرت فيه التضايف لا سيما في الخلافيات مع أن الخلاف فيه قريب و الخطأ فيه غير بعيد عن الصواب إذ قد يقرب كل مجتهد من أن يقال إن له أجرا واحدا إن أخطأ و لصائبه أجران و لكن لما عظمت فيه الحشمة و الجاه توفرت دواعي إفراط تشعيبه و تفريعه و الكل ميسر لما خلق له
[١] . أي التخاصم و التقاتل