مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٠
فتعين وجود نور علوي و جوهر قدسي إلهي يتنور به النفوس و تصير بالاتصال به و الصيرورة إياه عقلا كاملا بالفعل يعقل و ينال كل شيء و يصل إلى كل شيء و قياس ذلك النور العقلي في أنفسنا كقياس النور الحسي في أبصارنا إذا اتصل بالبصر خرجه من حد كونه مبصرا بالقوة إلى حد كونه مبصرا بالفعل فيتحد به و ستعلم كيفية هذا الاتحاد بالبيان البرهاني و تعلم أيضا أن العقل بالفعل كل الموجودات لأن من شأنه أن يعقل كل شيء و كل ما وجود ليس في مادة فهو من شأنه أن يعقل كل شيء فكل ما هو من شأنه و يمكن له وجود بالإمكان العامي فيجب أن يكون حاصلا له و إلا لكان فيه شيء ما بالقوة فيحتاج إلى مادة له و حركة و استعداد و كلامنا في المفارق المحض هذا محال و بهذا يكون الفرق بين النور العقلي إذا وجد بالفعل يصير كل الموجودات التي من شأنها أن ينالها و بين النور الحسي إذا وجد بالفعل في البصر فإن باتصاله وحدة لا يظهر في البصر صورة المحسوسات ما لم ينضم إلى ذلك معنى آخر و لذلك ليس النور المحسوس كل المستنيرات الحسية بخلاف النور المعقول بالفعل فثبت و تحقق أن في الوجود جوهرا فعالا يقوم الجواهر العقلية و يكمل بذاته النفوس الإنسانية
الإشراق الثالث في كيفية اتحاد العاقل و المعقول
لما علمت أن كل صورة معقولة له بالفعل هي ما وجودها وجود صورة فارقت المواد و الجسمية و الأوضاع الحسية كلها فهي بذاته عاقل بالفعل كما أنها معقولة و كل صورة مادية فهي عاقلة و معقولة بالقوة لا بالفعل و النفس ما دامت كونها متعلقة الوجود بالمادة فليست عاقلة و لا معقولة بالفعل بل بالقوة و ليس كما هو المشهور أن النفس تجرد الصور المحسوسة و ينتزعها عن موادها فيصيرها معقولة بالفعل و النفس هي ما هي بحالها حتى يكون هي ثابتة و الأشياء مستحيلة متغيرة بل الأمر بالعكس من ذلك فإن الأشياء المادية المحفوفة بعوارضها و غواشيها نحو وجودها نحو وجود