مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٥٤
الأسباب و أحضر الأسباب الحاصلة في النفس هي الخواطر و إنما يراد بالخاطر ما يعرض للنفس من باب الإدراكات سواء كان متجدد الحصول أو على سبيل التذكر و الاسترجاع فهذه الأفكار و الأذكار تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بالبال بعد أن كان القلب غافلا عنها و هذه الخواطر هي المحركات للإرادات و الأشواق فإن النية و الإرادة لشيء أو الشوق عليه إنما تكون بعد حصول المنوي بالبال لا محالة فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة و الرغبة تحرك العزم و النية و النية تحرك الأعضاء إذا عرفت هذا فنقول الخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة و إلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما و الخاطر المذموم يسمى وسواسا.
أصل آخر ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة و كل حادث لا بد له من سبب و مهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب لكن الاختلاف إن كان بحسب العوارض و الخارجيات فيحتاج إلى اختلاف القوابل و الاستعدادات و إن كان الاختلاف بحسب الحقائق و المنوعات فيفتقر إلى اختلاف العلل الفاعليات و لما كان اختلاف الخواطر بحسب الخيرات و الشرور و كان الاختلاف بينهما اختلافا حقيقيا ذاتيا فيكون الاختلاف بين مبدإ الإلهام و مبدإ الوسواس أيضا كذلك و هذا مما يشاهد من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على أسبابها فمهما استنار حيطان البيت بنور النار و أظلم سقفه بسواد الدخان علمت أن سبب الاسوداد غير سبب الاستنارة كذلك لأنوار القلب و ظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا و سبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا و اللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا و الذي يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى خذلانا و الملك عبارة عن جوهر روحاني نوراني خلقه الله شأنه إفاضة الخير و إفادة العلم و كشف الحق و الوعد بالمعروف و قد سخره الله