مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١١٦
متصورا للأشياء الموجودة كلها و لا ينبغي لمدرك الكل أن يكون بالفعل بطبيعة مخصوصة بواحد من المدركات لأنه لو كان كذلك لكان عند إدراكه للأشياء التي من خارج يعوقه صورته التي تخصه عن تصور تلك فإن الحواس أيضا لا تدرك الأشياء التي وجودها إنما هو فيها و كذلك البصر فإن الآلة التي هو فيها لا لون لها خاص و آلة الشم ليست لها رائحة سيما التي يدركها و كذا اللمس فإنه و إن لم يخل عن الكيفية الملموسة مطلقا إلا أنه خال عما هو يخالفها من الكيفيات فظهر أنة لا يمكن في الحواس أن يدرك الحس شيئا هو له فالقوة العاقلة لما كان من شأنها أن تدرك الكل فليس هو إذا واحدا من الموجودات بالفعل و لكنه بالقوة كلها بخلاف الحواس فإنها داخلة تحت كثير من المعاني كالجسمية و غيرها من الكيفيات التي توجد فيها بالفعل لا التي تكون مدركة لها فليست هي بالفعل الأشياء التي يدركها و لكنها أشياء أخر بالفعل و لذلك ليس حس من الحواس مدركا لكل محسوس لأن الحس أيضا هو شيء ما بالفعل فأما العقل فليس هو البتة شيئا من الموجودات بالفعل و لا هو شيئا محسوسا مشارا إليه لأنه قوة قابلة لإدراك جميع المعقولات.
و ثانيها الذي قد صار يعقل و له ملكة أن يعقل و قادر أن يأخذ صور المعقولات بقوة في نفسه و قياسه قياس الذين فيهم ملكة الصناعات القادرين بأنفسهم على أن يعملوا أعمالهم و يصنعوا صنائعهم فإن الأول ما كان شبيها بهؤلاء بل بالذين فيهم قوة يقبلون بها الصناعة حتى يصيروا صناعا و هذا العقل الهيولاني من بعد أن صارت له ملكة و استفاد أن يعقل و أن يعقل فإنما يكون في الذين قد استكملوا.
و أما العقل الثالث و هو غير الاثنين الموصوفين فهو العقل الفعال و هو الذي به يصير الهيولاني له ملكة و قياس هذا الفاعل كما قاله أرسطو قياس الضوء للإبصار و المبصرات فكما أن الضوء هو علة الألوان المبصرة بالقوة في أن يصير مبصرة بالفعل كذلك هذا العقل يجعل العقل الهيولاني الذي هو بالقوة عقلا بالفعل بأن يثبت فيه ملكة التصور العقلي و هذا هو بطبيعته معقول و هو بالفعل هكذا لأنه فاعل التصور العقلي و سائق