مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٠٨
المشهد الثاني في تحقيق ماهية العلم بحسب ما وجدناه و اخترناه
و اعلم أن ماهية العلم على ما شهد به الحدس الصحيح بل التتبع و الفحص البالغ و ضرب من الاعتبار يرجع إلى حقيقة الوجود الحاصلة للموجود المستقل في وجوده.
فنقول العلم هو حصول ماهية شيء لأمر مستقل في الوجود بنفسه أو بصورته حصولا حقيقيا أو حكميا فالعلم على ثلاثة أقسام الأول حصول شيء بنفس هويته العينية لأمر مستقل الوجود حصولا حقيقيا و ذلك كعلم الشيء بنفس هوية معلوله العينية فإن وجود المعلول هو بعينه وجوده للعلة الفاعلية الحقيقية.
و الثاني حصول شيء بهويته لأمر مستقل الوجود حصولا حكميا كعلم الذات المجردة بذاته و كل من هذين النحوين علم حضوري بمعنى أن وجود المعلوم في نفسه هو عبارة عن معقوليته و وجوده للجوهر العاقل و بهذا الاعتبار قيل العلم حضور شيء لمجرد أو عدم غيبة شيء عن مجرد و اعتراض بعض الإشراقيين على المعنى الثاني بأن ماهية العلم على هذا التعريف يكون أمرا سلبيا مدفوع بأن ظاهر هذا اللفظ و إن كان سلبيا غير محصل لكن المقصود منه تحصيل أمر و إثباته و الأولى أن يكتفى بالتعريف الأول و يدعى أن حضور شيء لشيء لا يستدعي المغايرة فإن معنى الحاضر لا يقتضي إلا أمرا يكون الحضور له أو عنده و أما أن ذلك الأمر الذي يقع الحضور له غير هذا الأمر الحاضر فليس بواجب البتة إذ لا برهان يدل على المغايرة بين الحاضر و ما حضر له و ذكر الشيخ أبو علي في مواضع من كتبه أن كون الشيء عاقلا و كونه معقولا لا يقتضي اثنينية في الذات و لا اثنينية في الاعتبار فالذات واحدة و الاعتبار واحد لكن في الاعتبار تقديم و تأخير و إنما سمينا حصول المجرد لذاته حصولا حكميا نظرا إلى ظاهر اللفظ و إلا فهو في باب الحصول أشد من حصول الشيء لغيره.