مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٢
و الأرض شيء كالطين و نحوه من الأجسام السفلية و نحن بصدد إثبات الجرم الأعلى الفلكي
الفصل الثاني في إثبات وجود السماء من وجوه عديدة
فنقول هذا التركيب المشاهد في الأجسام التي عندنا يدل على وجود الحركة المستقيمة و يدل الحركة من جهة مسافتها على جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع و يدل اختلاف الجهتين على وجود جسم محيط بها و هو السماء و يدل أيضا الحركة من جهة حدوثها على أن لها سببا إلى غير نهاية و لا يمكن إلا بحركة دورية من السماء و يدل أيضا الحركة في الجسم على وجود ميل فيه طبيعي و على طبع محرك و على زمان فيه الحركة فلنذكر وجوه هذه الدلالات و اللوازم.
فاللازم الأول من التركيب الحركة المستقيمة و وجهه أن الماء له حيز و التراب له حيز و كل واحد طبيعي إذ لا بد لكل جسم من مكان طبيعي كما ذكر في العلم الطبيعي و لا يحصل التركيب إلا بحركة أحدهما إلى حيز الآخر و لو لازم كل منهما حيزه التقيا متجاورين غير مركبين و هذا ظاهر فالعقل يقضي قبل النظر في الوجود بأنه إن كان في الوجود تركيب فلا يمكن إلا بالحركة و الحركة لا يمكن إلا عن جهة إلى جهة فيحتاج إلى جهتين و هذا ظاهر و لا بد أن يكونا محدودتين مختلفتين بالطبع أما اختلافهما بالطبع و النوع فإنما يلزم من حيث إن الحركة إما طبيعية أو قسرية و الطبيعية يقتضي أن يكون الحيز الذي تتركه مخالفا للحيز الذي تطلبه إذ لو تساويا استحال أن تهرب من أحدهما و يطلب الآخر و إن كانت قسرية فمعنى القسر أن يكون على خلاف مقتضى الطبع فينبغي أن يكون ميل طبيعي إلى جهة دون جهة حتى يتصور القسر فكل قسر فهو مرتب على الطبع و أما كونهما محدودتين فلأدلة أحدها أن الجهة إنما تكون في بعد لا محالة يشار إليه باليد و نحوها إشارة حسية إذ الأمر العقلي لا إشارة إليه و لا يتصور أن يكون فيه حركة