مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥١٦
تصوره و إحضاره معاني المجردة من المواد الحسية كل التجريد و التوصل إلى معرفة المجهولات العقلية من المعلومات بالفكر و الروية و له أيضا بعقله العملي تصرف في أمور جزئية و تصرف في أمور كلية و الثاني لحصول اعتقاد فقط من غير أن يصير سببا لفعل دون فعل إلا بضم آراء جزئية فإذا حصل الرأي الجزئي يتبع حكم القوة المروية قوى أخرى في أفعالها البدنية من الحركات الاختيارية أولاها القوة الشوقية و أخيرتها الفاعلة لحركة العضلات بالمباشرة و كل هذه يستمد في الابتداء من القوة المتصرفة في الكليات بإعطاء القوانين و كبريات القياس فيما يروى كما يستمد من التي بعدها في صغريات القياس و النتيجة الجزئية و قد مر أن للنفس الإنسانية قوتين نظرية و عملية فتلك للصدق و الكذب و هذه للخير و الشر و هي للواجب و الممتنع و الممكن و هذه للجميل و القبيح و الجائز فلهما رأي و ظن في العقليات و شدة و ضعف في الفعليات.
و العقل العملي يحتاج في أفعاله كلها إلى هذا البدن الدنيوي إلا نادرا كإصابة العين و نحوها من النفوس الشريرة لقوتها و شيطنتها و أما صدور الخوارق للعادة و الكرامات من المتجردين الكاملين فلكونهم في مقام أخروي.
و أما النظري فله حاجة إليه ابتداء لا دائما بل قد يكتفى بذاته كما في النشأة الآخرة إن كان الإنسان من صنف الأعالي و المقربين و إن كان من أصحاب اليمين فمبدأ أفاعيله و تصوراته العقل العملي و به يكون سعادته في الآخرة لما سيظهر لك أن الجنة و أشجارها و أنهارها و حورها و قصورها و سائر الأمثلة الجنانية التي وعد المتقون منبعثة من تصورات النفس الجزئية و شهواتها و دواعيها كما قال سبحانه وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [١] و قوله فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ [٢] و إن كان من أصحاب الشمال فكذلك القياس فيه من كون عقله العملي منشأ للتعذب بما يجترحه و يكتسب بيده من حميم و زقوم و تصلية جحيم فجوهر النفس مستعد لأن يستكمل ضربا من الاستكمال و يتنور بذاته و ما فوق ذاته بالعقل النظري و لأن يحترز عن الآفات و
[١] . فصلت ٣١
[٢] . زخرف ٧١