مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦١٤
أوائل منازل الوجود و بداياته كالصبح و الشفق ضربا للمثل في الأبد و الأزل فما من شيء إلا و له معاد كما له مبدأ فأبلغ الآيات الواردة في هذا الباب قوله تعالى قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا [١] فرد عليهم إنكارهم بوقوع منازل الابتداء في مقابلة مقامات الانتهاء في قوله قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [٢] إلى مثل تلك الحالة المبدأة فيها بالإيجاد و الخلق سواء كان وقتا أو سببا أو مادة أو صورة أو مكانا يجوز عودها مرة أخرى بعد الأولى لاستيناف خلق جديد و لو كان على أمر بعيد لا لأن المرة الأولى كانت ناقصة فإن ذلك يدل على الجهل و العجز المحالين على العليم القدير بل ليصوغه أحسن و أتقن من الأولى كما أشار إليه المعلم الصالح فيلسوف زمانه و عالم أوانه حين ناظر الدهري حسبما نقلنا كلامه و كما قال الحكيم المتأله المجاهد سقراط الزاهد العابد رمزا إلى المعاد و إيماء إلى حشر النفوس و الأجساد نحن كائنون في الزمن الذي بعد.
فللإنسان كينونة بعد كينونة زمانا و رتبة فالزمان للأبدان و الرتبة للنفوس و الأرواح المجردة عن هذه الأكوان و كذلك قوله تعالى أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ [٣] أي ما مسنا من لغوب و لا إعياء و لا تعب في الحالة الأولى فكيف يلحقنا في الحالة الثانية و هو أهون علينا في عقلكم و فهمكم إذ الممارسة توجب الملكة كما قال وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٤] و قيل الضمير راجع إلى المعاد لا إلى المعيد حذرا من سوء الأدب لكونه منزها عن العسر تارة و اليسر أخرى و لكونه عدم ملكة العسر و الملكة و العدم كلاهما مسلوبان عن ما يتقدس ذاته عن المادة و عوارضها فله الأسماء الحسنى في الآخرة و الأولى بل المنكرون في لبس و عمي من كيفية خلق جديد في مثل الحجر و الحديد فإن كل كائن بائن عند التحقيق و الكشف و كل ما له صورة ما غاية و كمال لازم أو مباين سواء كان نفسا أو جسما سواء كان جمادا أو نباتا أو حيوانا أو فلكا فالأفلاك و العناصر سيان عند العارف المبصر في قبول التجدد و الانقضاء و الحدوث
[١] . الإسراء ٥٠ و ٥١
[٢] . الإسراء ٥٠ و ٥١
[٣] . ق ١٥
[٤] . الروم ٢٧