مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٠
و منها استدلاله بالقياس في مقابلة النص بقوله خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ يعني أن النار علوية نورانية لطيفة و الطين سفلي ظلماني كثيف فهي تكون خيرا منه فأخطأ اللعين في الجواب و في الاستدلال جميعا و أما خطاؤه في الجواب فلما ذكر من أنه في مقابلة النص و أما خطاؤه في الاستدلال فلوجوه أحدها ما مر من أن العبرة بصورة الذات لا بمادته و أن الغلط هاهنا من أخذ ما بالقوة مكان ما بالفعل و منها أنا و إن سلمنا أن النار أفضل و أشرف من الطين من حيث ظاهر الوجود لكن لا فضيلة لها عليه من حيث الحقيقة و الغاية بل الطين أفضل و أشرف منها لأن من خواص الطين الإنبات و النشوء و النمو و لهذا السر كان تعلق الروح به ليصير قابلا للترقي و النار من خاصيتها الإحراق و الإهلاك.
و ثانيها أن في الطين لزوبة و إمساكا فإذا استفاد الروح منه بالتربية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي إذ لم يكن ممسكا له في عالم الأرواح و لهذا السر كان آدم مسجودا للملائكة و في النار خاصية الإتلاف و الإسراف و هو ضد الإمساك.
و ثالثها أن الطين مركب من الماء و التراب و الماء مطية الحياة لقوله تعالى مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [١] و التراب مطية النفس النباتية و إذا امتزجا يتولد منهما النفس الحيوانية لأن مركبها الروح الحيواني و هي مطية الروح الإنساني و الجوهر النطقي للمناسبة الروحية بينهما و في النار ضد ذلك من الإهلاك و الإفساد هذا مع أن شرف مسجودية آدم للملائكة و فضيلته على ساجديه لم يكن بمجرد خواصه الطينية التي هي جهة الصلاحية و القبول و إن تشرفت الطينة بشرف التخمير من غير واسطة كما دل عليه قوله تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ [٢]
و قوله ص:
خمر طينة آدم بيديه أربعين صباحا
و إنما كانت فضيلته الأصلية على غيره بنفخ الروح المشرف بالإضافة إلى الحضرة الإلهية من غير واسطة كما قال
[١] . الأنبياء ٣٠
[٢] . ص ٧٥