مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٢
كانت بحسب حقائقها و أسناخها عرية عن المواد بريئة عن القوة و الاستعداد وجب أن يكون أحوالها سيما العقول خلاف أحكام الماديات الواقعة في عالم الحركات و الانفعالات.
الحكم الأول أنها غير زمانية و لا مكانية و ليس لها مع قطع النظر عن مبدئها و جاعلها إلا العدم فأما وجودها فهو نور من أنوار الله المعنوية و أثر من آثار مبدعها القيوم و ليس لها تجدد و انقضاء إذ ليس عند ربك صباح و لا مساء و لو كان كل موجود حادثا في زمان لكان للزمان زمان آخر فلزم هاهنا أزمنة لا نهاية لها و هذا بديهي البطلان.
الحكم الثاني أنها سيما العقول أبدية غير قابلة للفساد لأنها ليس من العالم بل هي حقائق ما عند الله و لأن حدوث عدمها كحدوث وجودها لو فرض مفتقر إلى مادة و لأن كل ما فيه قوة أن يبطل و فعل أن يبقى ففيه قوة أن يبقى أيضا فيتركب ذاته من جهتي القوة و الفعل معا.
الحكم الثالث أن تفاوت الهويات العقلية و الإنيات النورية تفاوت بحسب الأشد و الأضعف مع اتفاق الجميع في الحقيقة الوجودية إذ الوجود بما هو وجود حقيقة بسيطة نورية خارجية لا يعرضها الكلية و النوعية و الجنسية و غيرها من المعقولات الثانوية و المفهومات المنطقية إذ ليس للوجود صورة ذهنية يطابقه و إلا لكان للوجود وجودا و ماهية و هذا محال.
و قد أشرنا سابقا إلى أن المفارقات كلها وجودات لا جنس لها و لا فصل لكونها بسيطة الحقيقة و كل نوع متكثر الأفراد لأبدان يكون متعلق الوجود بالمادة و غواشيها فما لا مادة له لا شركة له مع غيره في نوع فكل ما وجوده وجود مفارق ينحصر نوعه في شخصه.
و اعلم أن الأرواح البشرية و الحيوانية بالنسبة إلى أرواح الملائكة و أملاك الأفلاك بل ملاكها و أربابها كأجسادهم بالإضافة إلى أجساد الأفلاك و لو انفتح لك باب معرفة الملائكة لرأيت هذه الأرواح الجزئية كسراج اقتبس من نار عظيمة طبقت العالم و تلك النار العظيمة هي الروح الآخر من أرواح العالم و لأرواح الملائكة ترتيب و كل واحد منها منفرد بمرتبته