مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٢٥
في الآخرة لا عيش له و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى [١] قال رب لم حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسى [٢] و إنما يحشر المعرض عن ذكر الله الناسي لمعرفته أعمى و أصم لأن بصر الآخرة و سمعها ليس بهذه الآلات الداثرة البائرة [٣] بل بنور البصيرة و قوة العرفان و صفاء الإيمان و أي شقاوة أشد على الإنسان من أن يكون منسيا عند الله و النسيان عنده يستلزم العدم و يساوق [٤] الهلاك لأن مبدأ صدور كل شيء منه تعالى علمه تعالى بل الصدور منه عين المعلومية له و المذكورية عنده كما حقق في مباحث العلم و ثبت عند المحققين القائلين باتحاد العقل و المعقول ما يوجب ذلك.
و اعلم أن للعمى مراتب أعني عمى القلب عن إدراك مدركات الآخرة لا عمى الجسد فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور [٥] و المراتب هي مثل الغشاوة فأغشيناهم فهم لا يبصرون [٦] و الختم ختم الله على قلوبهم [٧] و الطبع بل طبع الله عليها [٨] و الرين كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٩] و هذه غاية مراتب العمى المؤدية إلى الحجاب الأكبر كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [١٠] و أعظم الآفات الموجبة لإعراض الخلق عن طريق الآخرة و طلب معرفتها هو حسبانهم أهل الظاهر و علماء الدنيا الراغبين في المناصب و طلب اللذات و الإخلاد إلى الأرض و اتباع الشهوات هداة الخلق و رؤساء الدين و علماء المذهب و أهل الاجتهاد و الساعين في تحصيل الآخرة و هذا أعظم فتنة في الدين و أشد حجاب و سد في سبيل المؤمنين وقانا الله شرهم و ضرهم.
و هذا بعينه مثل أن يظن بالجاهل المريض طبيبا حاذقا و السارق القاطع للطريق أمينا عادلا و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن
[١] . طه ١٢٤
[٢] . طه ١٢٥ و ١٢٦
[٣] . البائرة أي الفاسدة
[٤] . يساوق تساوق أي تتابع
[٥] . الحج ٤٦
[٦] . يس ٩
[٧] . البقرة ٧
[٨] . النساء ١٥٥
[٩] . المطففين ١٤
[١٠] . المطففين ١٥