مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠
فبأنه لما جاز أن يقول الله لنار نمرود يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [١] فلم لا يجوز أن يكون مثله هاهنا و أما عن الرابع أن الشياطين مختارون في أفعالهم و لعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض.
بصيرة كشفية أكثر ما ذكرناه في هذا الباب كلام غير المكاشفين و من رام أن يعرف حقيقة الملك و الجن من طريق البحث و الفكر أو النقل و الأثر من غير سلوك أهل البصيرة فقد استسمن ذا ورم.
و اعلم أن الجن من الاجتنان و هو الاختفاء و الاستتار و لهذا سميت الملائكة جنا في قوله تعالى وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [٢] و سميت الجنة جنة لاجتنانها
كما قال ص: إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر
و في رواية: قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت الحديث
فكل ذلك راجع إلى الاستتار و الاستتار ما هو على نمط واحد كما زعمه الناس و الناس في غفلة عريضة عن كيفية هذا الاستتار الذي قد تجامع الظهور كما في قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [٣] و في قوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [٤] إلا فانظر ما أخفى هذا مع أنا لا نشك فيه مقرين به إيمانا بالقرآن فهذا مشهود محجوب و لا حجاب وجودي و لا حكم للعدم و كذلك نؤمن أن الملك معنا و الشيطان معنا فليس بيننا و بين الشيطان حجاب محسوس و لا حاجز ملموس ثم إن أعيننا ناظرة و مع ذلك فإنا لا ندرك الملك و الجان و هو يرانا و قبيله من حيث لا نراه فهو و قبيله يرانا شهودا عينيا و نحن نراه و قبيله إيمانا لا عينا فما هذا الستر الذي لو كان بيننا لحجبهم عنا كما يحجبنا عنهم فلا بد من تعيين حكمة في ذلك و كذلك الحجب التي ذكرها الله أنها بينه و بيننا من نور و ظلمة و هذه الحجب مرتفعة في حق العارفين فيشهدونه و ينكره المحجوبون من علماء الرسوم
[١] . الأنبياء ٦٩
[٢] . الصافات ١٥٨
[٣] . الحديد ٤
[٤] . المجادلة ٧