مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٨
للوجود لما علمت من وجوب تقدم العلة على المعلول بالوجود و الوجوب فيكون الموجود قبل الوجود موجودا و الواجب قبل الوجوب واجبا هذا محال شنيع و إن كان غيرها علة للوجود كان الواجب معلولا لغيره و هو أشنع و أمحل فتعالى ذاته عن هذه الاعتبارات المثناة كما يقوله المجوس أو المثلثة كما يقوله النصارى حيث أثبت المجوس نورا و ظلمة و هل الوجود الزائد إلا النور و الماهية المعدومة لذاتها إلا الظلمة فإذا اجتمعا صار إلها واحدا هذا أفسد من معتقد المجوس من جهة أنهم أثبتوا إلهين اثنين و هذا الموحد المسلم المعتقد لهذا المذهب أثبت إلهين مع اتحادهما قال تعالى لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [١] و هذا المطلوب أعز مطالب صفات الجلال من السلوب و قد أطبق عليه قاطبة الحكماء و المتكلمين إلا شرذمة قليلون من متأخريهم كأفضل متكلميهم محمد بن عمر الرازي حيث بالغ في كتبه سيما الملخص أن وجوده تعالى كسائر الممكنات عرضي و قد بالغ في ذلك و أمعن غاية الإمعان و بذل جده و جهده في تقرير البرهان تقريرا و إبراما و نقضا و إلزاما مع غاية وضوح وجه المقصود و تلألؤ نور الواجب المعبود ثم العجب أن شيخه و هو مقدم الأشاعرة أبا الحسن بالغ في العينية حتى عدى هذا الحكم الواجبي إلى عرصة الممكنات حكم بأن كل موجود وجوده نفس ماهيته و ربما نقل منه عكس ما ذهب إليه الحكماء يعني العينية في الممكن و الزيادة في الواجب و ليس بمعتمد هذا النقل و لا المنقول معقول و بالجملة فالرازي و الأشعري على طرفي إفراط و تفريط و غلو و تقصير و أنا أسلك صراطا مستقيما وسطا بين مذهبي إفراط و تفريط و أقول وجود الواجب عز و جل غير زائد على ما مضى و وجود المجعولات على قسمين فوجود العقول المفارقة المبدعة التي من أضواء نور الأول تعالى غير زائد على ذواتها بل هي وجودات محضة و إنيات صرفة و كلمات تامة و اعتبر من نفسك الناطقة التي كلمة مطيعة لأمر الله و حرف صادر عن أمره كن فيكون فإنك إذا نظرت إليها لم تجدها إلا إنية أنانية لم يدخل فيها
[١] . النحل ٥١