مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١١٤
ذواتا مجردة و صورا مفارقة لا بتجريد مجرد إياها و انتزاع معقولها من محسوسها كما هو المشهور و عليه الجمهور بل بانتقال و مسافرة للنفس من المحسوس و هو المعقول الهيولاني إلى المتخيل و هو المعقول بالملكة و منه إلى المعقول بالفعل و العقل الفعال و ارتحال لها من الدنيا إلى الأخرى ثم إلى ما ورائهما و في قوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [١] إشارة إلى هذا المعنى فإن معرفة أمور الآخرة على الحقيقة في معرفة أمور الدنيا لأن معرفتها معرفة ما بعد الطبيعة بالقياس إلى أنفسنا و إن كانت بحسب الوجود نفسه ما قبل الطبيعة و بالجملة النفس تنتقل من الدنيا إلى الأخرى بواسطة ارتياضها بإدراك العلوم و تسافر من المحسوسات إلى ما ورائها و مخرجها من هذا العالم إلى الآخرة و من المحسوسات إلى ما ورائها ملك نقالة اسمه واهب الحياة و نافخ الصور و سنزيدك إيضاحا في كشف هذا المقام و الغرض هاهنا هو الإشارة إلى وجه اندفاع بعض الشبه المتعلقة بمسألة العلم التي عييت أفهام الأنام عن حلها و الله الهادي إلى دار السلام
المشهد الخامس في الإشارة إلى فضيلة العلم
اعلم أن الإنسان مشارك للبهائم في الشهوة و مشارك للملائكة في العقل فنقول إن الأمور التي يصادفها الإنسان على أربعة أقسام الأول ما يرضاه العقل و لا يرضاه الشهوة الثاني ما يرضاه الشهوة و لا يرضاه العقل الثالث ما يرضاه العقل و الشهوة الرابع ما لا يرضاه العقل و الشهوة معا أما الأول فكالأمراض و الفقر و المكاره في الدنيا و أما الثاني فهو كالمعاصي كلها و أما الثالث فهو العلم و أما الرابع فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار فكما أن العقل و الشهوة لا يرضيان بالنار كذا لا يرضيان بالجهل و كما أنهما يرضيان بالجنة يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل رضي بنار حاضرة و من اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة
[١] . الواقعة ٦٢