مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٧٩
الإشراق الثاني في الإشارة إلى العقل الفعال في أنفسنا
إن هذا العقل وجودا في نفسه لنفسه و وجودا في أنفسنا لأنفسنا فإن كمال النفس الإنسانية و تمامها وجود العقل الفعال لها و صيرورتها إياه و اتحادها به فإن الغاية للشيء ما يصح وجودها له و ما لا وصول لشيء إليه لا يكون غاية و علة تمامية لذلك الشيء و من أشكل عليه هذا الأمر و استصعبه بأن شيئا واحدا كيف يكون فاعلا متقدما و غاية متأخرة لشيء واحد فذلك لأجل أنه لم يتصور من الوحدة إلا الوحدة العددية التي توجد في الموضوعات الجسمانية التي يحصل بتكررها كثرة عددية من نوع واحد فالنظر في العقل الفعال من حيث وجوده من مسائل العلم الإلهي و النظر في وجوده للنفس من مسائل العلم الطبيعي الذي يبحث فيها عن أحوال الجسم الطبيعي و ليس النظر ها هنا فيه إلا من حيث كونه كمالا للنفس و تماما لها كما أن النفس كمال و تمام للجسم الطبيعي و من حيث تأثر النفس و انفعالها عنه أولا ثم صيرورتها إياه ثانيا.
أما البرهان على وجوده فلما أشرنا إليه من أن النفس الإنسانية في أول تكونها أمر بالقوة من جهة العاقلية و المعقولية أي نحو وجودها المفارقي و إن كانت موجودة بالفعل من حيث وجودها الكوني الحسي لكونها كمالا للجسم المحسوس الحاس ثم يصير أمرا عقليا بالفعل في تصوير الحقائق و إفادة العلوم و تدوين المسائل و كلما يخرج من حد القوة إلى حد الفعل فبأمر ما يخرج إليه و هذا الذي يخرجها من القوة إلى الفعل لو لم يكن جوهرا كاملا عقليا بل جسما أو نفسا أي عقلا بالقوة ففي الأول يلزم كون الجسم مفيدا للعقل و الخسيس مكملا للشريف و هو محال و في الثاني لزم احتياجه إلى جوهر آخر هو عقل بالفعل إذ العقل بالقوة ما لم يصر عقلا بالفعل لا يخرج النفس من القوة إلى الفعل و الناقص ما دام نقصه لا يجعل الناقص الآخر كاملا و الكلام يعود في مخرجه إلى مخرج آخر فيتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى مخرج عقلي للنفس هو عقل كامل بالفعل و كل من الأولين باطل.