مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٨
مقتضى طبائع القوة العاقلة من العلم بالله و ملائكته و كتبه و رسله حاضرة عندها موجودة في حقها لكانت لها لذة لا يدرك الوصف كنهها فإن السعادة الحقيقية في وجود هذه الحقائق لا في انحفاظها و اختزانها و إنما الحاصل للنفس عند اختزانها نحو ضعيف من وجودها و إلا فإنها أقوياء الوجود و أشداء النورية و المعرفة في هذا العالم بذر المشاهدة في الآخرة و اللذة الكاملة يتوقف على المشاهدة لأن الوجود كما عرفت لذيذ و كماله ألذ و الوجودات متفاوتة و أفضلها الحق الأول و أدونها الهيولى و الحركة و الزمان و ما يشبهها فالسعادات متفاضلة فهذه اللذات الحقيقة لنفس كملت بالعلم الحقيقي فإن كانت منفكة عن العلوم لكنها منزهة عن الرذائل مصروفة الهم إلى المتخيلات التي تلفقتها بالتقليد فلا يبعد أن يتخيل الصور الملذة فينجر تخيلها إياها إلى مشاهدتها بعد رفع الوهم كما في النوم الذي هو ضرب من الموت فيتمثل له ما وصف في الجنة من المحسوسات فهذه جنة المتوسطين و الصالحين على ما سيجيء إثباته و تلك جنة المقربين الكاملين
الإشراق السادس في الشقاوة التي بإزاء تلك السعادة
أما الشقاوة الحقيقية فهي إما بحسب نقصان الغريزة عن إدراك المراتب العالية أو بحسب غلبة الهيئات الظلمانية الحاصلة من المعاصي الحسية كالفسوق و المظالم و إما بحسب الجحود و العناد للحق بالآراء الباطلة و الإنكار للحكمة بالعقائد السفسطية أو المشاغبية و ترجيح بعض المذاهب بالجدل و التقليد طلبا للشهرة و الرياسة و افتخارا بما يستحسنه الجمهور و تشوقا إلى الكمال الوهمي بحفظ المنقول مع حرمان الوصول و بالجملة إيثار العاجل الخسيس على الأجل الشريف و للحاضر الباطل على الغائب الحق.
و الشقاوة في القسم الأول من قبيل الأعدام كالموت للبدن و الزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم.