مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٠٦
الحركات و لأنك لا تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا و أما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم من حروف و أصوات تدرك بحس السمع فاشتدت إليه حاجتك فخلق لك ذلك و ميزت بفهم الكلام عن سائر الحيوانات و كل ذلك ما كان يغنيك [١] لو لم يخلق فيك حس الذوق إنه قد يصل الغذاء فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجرة تصب في أصلها كل مائع و لا ذوق لها فيجتذبه و ربما يكون ذلك سبب جفافها ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق فيك إدراك آخر تسمى حسا مشتركا موضعه مقدم الدماغ إذ يتأدى إليه مثل هذه المحسوسات الخمس و يجتمع فيه و لولاه و ما بعده من الحافظة و الواهمة و المتصرفة و الذاكرة لطال الأمر عليك و هذا كله يشاركك فيه الحيوانات فلو لم يكن فيك إلا هذا لكنت ناقصا كالبهيمة لعدم إدراكك عواقب الأمور كبواقي الحيوانات فميزك و أكرمك و فضلك على كثير من خلقه تفضيلا بصفة أخرى هي أشرف من الكل هو العقل الذي يدرك منافع كل شيء و مضاره بحسب الحال و المآل جميعا و الله ولي الإفضال
فصل الإشارة إلى الحواس الباطنة
و هي خمسة لكنها ثلاثة أقسام مدرك و حافظ و متصرف و القسم الأول إما مدرك للصور و إما مدرك للمعاني و كذا الثاني فمدرك الصور يسمى بالحس المشترك و بنطاسيا في لغة اليونان أي لوح النفس و هي قوة متعلقة بالتجويف الأول من الدماغ و لولاها ما يمكن الحكم لنا بالمحسوسات المختلفة دفعة و لا أمكنت مشاهدة النقطة الجوالة لسرعة دائرة و القطرة النازلة خطا مستقيما فهذا أحد الدلائل على وجودها لأن المشاهدة بالبصر ليست إلا للمقابل و ما قابل منهما إلا نقطة و قطرة و حافظها قوة يسمى بالخيال و المصورة تعلقها بآخر التجويف الأول يجتمع عندها مثل المحسوسات و إن غابت موادها عن الحواس غيبة طويلة فهي
[١] . يعينك، ن ل