مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٤
الإلهية و ذلك لأن كل ما يوجد في هذا العالم يوجد في عالم من العوالم الأعلى على وجه أعلى [١] و أشرف منه و ما عند الله خير للأبرار [٢]
الفاتحة الخامسة في الفرق بين التكلم و الكتابة
قال بعض أهل الكشف و الشهود إن كلام الله غير كتابه و فرقوا بينهما بأن أحدهما و هو الكلام بسيط و الآخر و هو الكتاب مركب و بأن الكلام أمري دفعي و الكتاب خلقي تدريجي و عالم الأمر خال عن التضاد و التكثر و التجدد و التغير لقوله وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [٣] و قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٤] و أما عالم الخلق فيشتمل على التضاد و التكثر و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين [٥].
و أقول و لأحد أن يقول إنهما واحد بالذات متغايران بالإضافة و هذا إنما ينكشف بمثال في الشاهد و هو الإنسان لكونه على مثال الرحمن فإنه إذا تكلم بكلام و كتب كتابا يصدق على كلامه معنى الكتابة و يصدق على كتابته معنى الكلام بيان ذلك أن أحدا إذا تكلم و شرع في تصوير الألفاظ في الهواء الخارج من جوفه و باطنه بحسب الاستدعاء الباطني النفساني تنفس و انتقش ذلك الهواء و هو المسمى بالنفس الإنساني الذي هو بإزاء النفس الرحماني و هو الوجود الانبساطي المنبعث عن الباري بالإرادة الذاتية بحسب الاقتضاء الرحماني للفيض السبحاني و تصور بصور الحروف الثمانية و العشرين و ما يتركب منها كما ينشأ من الوجود الانبساطي صور الحقائق و الوجودات المقيدة و ذلك الفيض الوجودي المسمى عند أكابر الصوفية بالحق المخلوق به و الوجود المطلق و هو غير الوجود المقيد و غير الوجود الحق المسمى بالهوية الأحدية تعالى
[١] . من العوالم فما في العالم الأعلى أعلى و ن م
[٢] . آل عمران ١٩٨
[٣] . القمر ٥٠
[٤] . النحل ٤٠
[٥] . الأنعام ٥٩