مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٥٥
غاية الغايات، و نهاية النهايات، و لقد قال تعالى ما محصله الاستعانة و الصبر و الصلاة تنهى عن الفحشاء كلها، كيف لا؟ و هى المجاهدة الجامعة لجوامع المجاهدات جلها و قلها، و اذ منزلتها من سائر المجاهدات منزلة الانسان الكامل، الجامع لجوامع الحقائق و اللطائف و مجامع العلوم و المعارف من سائر الناس، بل من سائر الأنبياء و الاولياء الماضين، فضلا عن سائر المؤمنين و المؤمنات، و افحش الفواحش و انكر الفحشاء، و هو وجودك الّذي هو ذنب لا يقاس به ذنب، و فاحشة لا يقاس به فاحشة من الفحشاء، و من هاهنا ورد فى الصحاح المستفيضة، بل كاد ان يتواتر: ان الصلاة عمود الدين، اذا قبلت قبل ما سواها، و اذ اردت رد ما سواها، هذا و ان كان بظاهره يكاد يخرج عما كنا فيه فلنرجع الى ما كنا فيه، انما سمى ابليس ابليس، لانه مشتق بالاشتقاق الكبير، المعتبر فى عرف اهل الله، من ابى ليس، كما ان آدم بحسب بعض مراتب بيناته من الايس، و هو ابو ايس، و الايس هو الحق، و الليس هو الباطل، و ليس بينهما فاصل، فآدم هو العاقل، و ابليس هو الجاهل.
ص ٢١٧- س ١٦- قوله: و غايته استراق السمع:
يعنى بالسمع الخيالى، المسلط عليه حكم الوهم السرابى، و الوهم سلطان الحواس عند فقدان العقل، و ذلك الاستراق منه استراق وهمى سرابى، يتوهم السراب ماء و الخضاب شبابا، فالصورة التى يسترقها من اهل الملكوت الصور، التى لا يستطيع و لا يتمكن من ان ينال وجه المناسبة بينهما، و هى المعنى الحق الّذي يتمثل بتلك الصورة و يتنزل بها، فلا يقتدر على نيل وجه المناسبة، اذ درك وجه المناسبة لتفرع عن درك اصله، الّذي تمثل بها، و لا سبيل للدرك الوهمى الى عالم المعانى الحقانى، اذ منزلة الوهم من عالم المعانى منزلة الاكمه من عالم الالوان، و الاضواء و الأشعة، التى لا يمكن نيلها الا بقوة الباصرة لكل من يريد ان ينالها باللامسة او حاسة اخرى غير الباصرة، فلا بد له من ان يتوهمها بصورة غير مطابقة.
ص ٢١٧- س ٢٠- قوله: و منها قصور فهمه:
اقول: كيف لا؟ و لا يتمكن عقل من درك خلقة الانسان و فضيلته بطريق النظر الفكرى، فضلا عن ابليس المعروف الموسوم بالجهل، و الشيطان الموسوم بالوهم، فان العقل كما تحقق عند اساطين العلم من الجانب الالهى الّذي هى الحضرة الواحدية، فلا يدرك الا الحقائق المتعينة الكلية، مع لوازمها الروحانى، و اما الجزئيات الجسمانية، التى هى مما يقتضيه طبيعة الكل التى حصرت قوابل العالم فلا يعرفها، و كذا لا يعرف الحقيقة، التى بتجليها المسمى بالفيض الاقدس، تحقق الحقائق الكلية و الجزئية، اى الذات التى تحقق بفيضه الاقدس، اى التجلى الذاتى، حقائق الروحانيات و الجسمانيات، اى اعيانهما، و بتجليها الشهودى الوجودى المسمى بالنور، و النور المحمدى، و يظهر الكل، فانها لا يعرفها الا عينها، اى عين حضرة الذات، بل هذا الفن من الدرك لا يتيسر الا عن كشف إلهى،