مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٩٦
كما ورد في الحديث: و أهلت لمرافقة الملإ الأعلى و حسن أولئك رفيقا
[١] و في القرآن إشارات كثيرة من هذا النمط بل معظم آياته أمثال يذكر للناس كما مر فإن كنت لا تقوى و لا تقدر على قبول ما يقرع سمعك من هذا الباب ما لم يستند ذلك إلى أحد من المفسرين في تفسيره العامي كقتادة أو مقاتل أو مجاهد أو السدي أو غيرهم فالتقليد غالب عليك و الحجاب غليظ بينك و بين نور البصيرة و كلامنا ليس إلا مع المستبصر و مع ذلك فانظر إلى هذه التفاسير في معنى قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [٢] و أنه تعالى كيف مثل العلم بالماء الذي به حياة كل شيء في هذا العالم كما بالعلم حياة كل نفس في الآخرة و مثل القلوب بالأودية و الينابيع لأنها مواضع العلوم التي بها حياة الأبدية و مثل الضلال بالزبد الذي لا بقاء له و لا قوام ثم نبهك في آخرها بقوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ [٣].
تنبيه تذكيري بل نقول كل ما لا يحتمله فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على وجه لو كنت في النوم مطالعا بروحك للوح المحفوظ لتمثل ذلك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير و لذلك قيل إن التأويل كله يجري مجرى التعبير و مدار تدوار المفسرين على القشرة و نسبة المفسر إلى المحقق المستبصر كنسبة من يترجم معنى الخاتم و الفروج و الأفواه في مثال المؤذن الذي كان يرى في المنام أن في يده خاتما يختم به فروج النساء و أفواه الرجال إلى الذي يدرك منه أنه كان يؤذن قبل الصبح في شهر رمضان.
فإن قلت لم أبرزت هذه الحقائق في هذه الأمثلة المضروبة و لم تكشف صريحا حتى وقع الناس في جهالة التشبيه و ضلالة التمثيل.
فالجواب أن الناس نيام في هذا العالم و النائم لم ينكشف له غيب من اللوح المحفوظ إلا بالمثال دون الكشف الصريح و ذلك مما يعرفه من يعرف العلاقة التي بين عالمي الملك و الملكوت.
فإذا عرفت ذلك عرفت أنك في هذا العالم نائم و إن كنت عارفا
[١] . النساء ٦٩
[٢] . الرعد ١٧
[٣] . الرعد ١٧