مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٩٠
استعداد للتجاوز عن درجة العوام نحو العلوم و الأحوال و إلا فيكون تقصيرك أيها المحجوب عما أهلت له و إغفالك عما تستدعيه بقوة استعدادك و سكونك عما تطلبه بلسان قابليتك موجبا لسخط الباري عليك في معادك و آخرتك و باعثا لعذابك بانقطاعك عن مناك و مبتغاك و على أي الحالين فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره كما ليس للبهيمة نصيب من اللب إلا في قشره الذي هو التبن و القرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أقسامهم و مقاماتهم و لكن اغتذاءهم على قدر منازلهم و درجاتهم و في كل غذاء مخ و نخالة و تبن و حرص الحمار على اغتذائه التبن أشد منه على الخبز المتخذ من اللب و أنت و نظراؤك شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهائم و لا تترقى إلى درجة معنى الإنسانية و الملكية فدونكم و الانسراح في رياض القرآن ففيها متاع لكم و لأنعامكم [١] و إن كنت من قبيل الرجل الثاني فبسبب رسوخ قدمك في مقام اليقين و ثباتك على جادة الحق و الدين و انزعاجك عن درجة الناقصين و تجاوزك عن مواطن الظن و التخمين يسر الله لك أن تعرف عرفانا ذوقيا و علما كشفيا أن التنين الذي أشار إليه النبي ص في الحديث المذكور ليس مجرد تخييل بلا تحصيل و تخويف بلا أصل و تهويل من غير حقيقة كما يفعله المشعبذون نعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بل إنما هو تفصيل و شرح
لقوله ص: إنما هي أعمالكم ترد عليكم
و قوله تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [٢] الآية بل سر قوله كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [٣] أي أن الجحيم في باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين بل هو سر قوله يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [٤] و لم يقل إنها سوف تحيط بل قال هي محيطة بهم و قوله إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [٥] و لم يقل تحيط بهم و هو معنى قول من قال إن الجنة و النار مخلوقتان
[١] . النازعات ٣٣
[٢] . آل عمران ٣٠
[٣] . التكاثر ٥ إلى ٧
[٤] . العنكبوت ٥٤
[٥] . الكهف ٢٩