مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٨٦
اشتمالها على جسم محسوس يحرق الجلود و يذيب الشحوم.
و من ترقيهم إلى هذا الحد زاد المتفلسفون و الطبيعيون فأولوا كلما ورد في الآخرة و ردوها إلى آلام عقلية روحانية و لذات عقلية روحانية و أنكروا حشر الأجساد و قالوا ببقاء النفوس مفارقة إما معذبة بعذاب أليم و إما منعمة براحة و نعيم لا يدرك بالحس و هؤلاء هم المفسرون عن حد الاقتصاد الذي هو بين برودة جمود الحنابلة و حرارة انحلال المؤولة و أما الاقتصاد الذي لا يفوته الغالي و لا يدركه المقصر فشيء دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الراسخون في العلم و الحكمة و المكاشفون الذين يدركون الأمور بنور قدسي و روح إلهي لا بالسماع الحديثي و لا بالفكر البحثي.
أقول و كما أن اقتصاد الفلك في طرفي التضاد هو عبارة عن الخروج عن الأضداد لا كاقتصاد الماء الفاتر الواقع في جنس الحرارة و البرودة الجامع لطرفيها الممتزج منهما فكذا اقتصاد الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة لأنه ممتزج من التنزيه في البعض كمن يؤمن ببعض و يكفر ببعض و أما اقتصاد هؤلاء فهو أرفع من القسمين و أبعد من جنس الطرفين حيث انكشف لهم بنور المتابعة و الاقتباس عن مشكاة النبوة أسرار الآيات و حقائق الصفات على ما هي عليها من غير تشبيه و تعطيل و تنور باطنهم بنور قذف الله في قلوبهم و شرح به صدورهم فلم ينظروا في معاني الألفاظ من جهة السماع المجرد و التقليد المحض و إلا لأمكن التخالف بينهم و التناقض في معتقداتهم و التنافي بين مطالبهم و مسلماتهم كما لسائر الفرق حيث وقع التدافع بين آراء كل فرقة منهم بواسطة تخالف ما وصل إليهم من الروايات كما وقع التناقض بين طائفة و طائفة حيث طعن كل لاحق منهم السابق و أنكر كل طائفة ما اعتقده الأخرى كما هو عادة أهل النظر و أصحاب البحث و الفكر من المعارضات و المناقضات كلما دخلت أمة لعنت أختها [١] و أما طريقة أهل الله فلا خلاف فيها كثيرا لأن مأخذ علومهم و معارفهم من عند الله و لو
[١] . الأعراف ٣٨