مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٦
أقول هذه الآفة و القصور إنما لحقت هؤلاء لاعتمادهم طول العمر على طريقة البحث و الجدل و عدم مراجعتهم إلى طريقة أهل الله و هي التأمّل في كتاب الله و سنة نبيه بقلب صاف فارغ عن محبة غير الله من حب الجاه و الرئاسة و الثروة و الشهرة و الوعظ و التدريس و صرف وجوه الناس إليهم و الاستطالة على الحق و التفوق على الأقران و الإقبال على الدنيا بكلية القلب و الإخلاد إلى الأرض و التبسط في البلاد و التقرب إلى السلاطين و التنفر عن الفقراء و المساكين إلى غير ذلك من نتائج الهوى و لوازم العدول عن طريق الهدى و المحجة البيضاء و إلا فالطريق إلى الله واضح في غاية الإنارة و السطوع و الهداة موجودون و القواد مأمونون اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [١] قال تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [٢]
و قال: من قرب إلي شبرا قربت إليه ذراعا
و قال: إذا طال شوق الأبرار إلى لقائي فأنا أشد شوقا إلى لقائهم
من كان لله كان الله له
الفاتحة الخامسة في نقل ما ذهب إليه بعض المفسرين على قاعدة الاعتزال
قال القفال في تفسير قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [٣] المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله و كبريائه و تقريره أنه تعالى خاطب عباده في تعريف ذاته و صفاته بما اعتادوه من ملوكهم و عظمائهم فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم و أمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم و ذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم و كذا ما ذكره في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النبيين و الشهداء و وضع الموازين فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [٤] ثم وصف عرشه على الماء ثم قال
[١] . التوبة ١٢٠
[٢] . القصص ٨٥
[٣] . طه ٥
[٤] . طه ٥