مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٧٣٥
رضى الله عنه قال: لقيته ابليس مرة فعرفته و عرفت منى انى عرفته، فوقع بينى و بينه مناظرة، فقال لى و قلت له، و علا بيننا الكلام و طال النزاع بحيث انه وقف وقفت. و حار و حرت، فكان اخر ما قال لى: يا سهل، ان الله تعالى قال: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فعم، و لا يخفى عليك انى شيء، و لفظة كل يقتضي الاحاطة فى العموم، الا ما خص، و شيء انكر النكرات، فقد وسعنى رحمته انا و جميع العصاة، فباى دليل يقولون: ان رحمة الله قريب من المحسنين لا تنالنا، فقال سهل: لقد اخرسنى و حيرنى بلطافة سياقه، و ظفره بمثل هذه الآية، و فهمه منها ما لم اكن افهمه، و علمه من دلالته ما لم اكن اعلمه، فبقيت حارا متفكرا و اخذت اردد الآية فى نفسى، فلما جئت الى قوله تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ الى اخر النسق سررت بها، و ظننت اننى قد ظفرت عليه بحجة و ظهرت عليه بما يقصم ظهره، فقلت له: تعال يا ملعون، ان الله تعالى قد قيدها بنعوت مخصوصة، يخرجها عن ذلك العموم، فسأكتبها للذين يتقون الى اخر الآية، فتبسم ابليس فقال: يا سهل، ان التقييد صفتك لا صفته تعالى، ثم قال: ما كنت اظنك ان تبلغ بك الجهل بالله، و لا ظننت انك هاهنا، ليتك سكت، ليتك سكت، ليتك سكت، قال سهل: فرجعت الى نفسى و غصصت بريقى، و اقام الماء فى حلقى، و ما وجدت له جوابا، و لا سددت فى وجهه بابا، و علمت انه طمع فى مطمع، و انصرف و انصرفت و ما ادرى بعد هذا ما يكون، فان الله تعالى ما نص بما يرفع هذا الاشكال، فبقى الامر عندى على المشية منه فى خلقه، لا احكم عليه فى ذلك الا بما حكم به على نفسه من حيث وجوب الايمان به، انتهى كلام سهل رضى الله عنه، قال الشيخ محى الدين: و كنت قديما اقول: ما رأيت اقصر حجة من ابليس و لا اجهل منه، فلما وقفت له على هذه المسألة التى حكاها سهل عنه، فعجبت و علمت ان ابليس قد علم علما لا جهل فيه، فله رتبة الافادة لسهل فى هذه المسألة، انتهى مقالته، اقول فى الجواب عن مغلطة ابليس الأبالسة، و مغالطته على سهل: انه بون ما بين الرحمة الرحمانية العامة المسماة عند اهل الحق بالرحمة الامتنانية التى هى مبنى اصل الايجاد على وجه العموم، و بين الرحمة الرحيمية الخاصة المسماة عندهم بالرحمة الوجوبية التى هى المكتسبة بكسب العقائد الحقة و اكتساب مكارم الاخلاق باقامة الاعمال الصالحة، فكون ابليس باتباعه و اشياعه مرحوما بالرحمة الامتنانية التى بنائها على الفضل و الجود، لا ينافى كونه مغضوبا عليه بنص الآيات البينات الباهرات، و ممنوعا عن الرحمة الوجوبية الاستحقاقية العدلية، المبتنية على العدل، المسبوقة بالامتنانية الفضلية فى اصل الايجاد، المبتنى على جود حضرة المنان الخلاق الجواد، فاعتبروا يا اولى الابصار، و اما كون التقيد صفة العبد و هو الحق لا صفة المعبود المنان الجواد المطلق، فهو و ان كان حقا لكنه لا ينافى كون العبد على قسمين، قسم منه مستحقا للرحمة الوجوبية العدلية، و قسم اخر منه على خلاف قسمه مستحقا للغضب الوجوبى العدلى، فان التسوية فى الجزاء