مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٩٣
وليه ماشية على الماء لكونها منفوخة فيها روح الهواء المبعوث من الملك الأكبر و الروح الأعظم حيث قال وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [١] أي ناعت جانبا من القوى بانسلاخها عنها و إنما خص مكانها بالشرقي لأن الفيض إنما ينبعث من ناحية العقول و هي شرق عالم الوجود فاتخذت من دونهم حجابا [٢] بقطع علائقها و حبالها فلم تم ميقات ربها أربعين أو أكثر و كانت هي في تلك الأيام مشتغلة بالتزكية و التحلية من الذكر و الفكر فاضت عليها الآثار العلوية و تناثرت على روحها الأنوار الغيبية و تمثلت على شبح إنسان [٣] أمرد و المرودة كناية عن كونه مجردا عن المادة و علائقها و هو قوله فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [٤] فنفث في روعها الرياح المنشورة بين يدي رحمته فصار بذرا للقوة العاقلة فيها فحملته فتغيرت حالها عما كانت عليه من جهة أن تلك الأنوار مبدلة لجوهر النفس فانتبذت به مكانا قصيا [٥] لأنها استشعرت من الحساد و كيدهم كما كادت إخوة يوسف به و توهمت تكذيبهم إياها فهجرتهم هجرا جميلا و اتخذت إلى ربها سبيلا.
فلما انقضت مدة حملها تسعة شهرا أو أكثر أو أقل كما كان لموسى عند ربه أربعون ليلة و عند شعيب ثمان سنين فأجاءها المخاض إلى الجذع النخلة [٦] المخاض الطلق و هو وجع الولادة و هو كناية عن خروج القوة العاقلة من القوة إلى الفعل لصعوبته و وعورته فناداها من تحتها [٧] و هو الروح الواهب لتلك القوة و مخرجها من القوة إلى الفعل ألا تحزني [٨] لأنها كانت وليه و أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون [٩] و هزي إليك بجذع النخلة [١٠] أمرها باستعمال القوة الفكرية لأنها معين للعقل على حصول الكمالات له تساقط عليك رطبا جنيا [١١] يتناثر عليك من رطب المعارف
[١] . مريم ١٦
[٢] . مريم ١٧
[٣] . إنساني، ن م ل
[٤] . مريم ١٧
[٥] . مريم ٢٢
[٦] . مريم ٢٣
[٧] . مريم ٢٣
[٨] . مريم ٢٤
[٩] . يونس ٦٢
[١٠] . مريم ٢٥
[١١] . مريم ٢٥