مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٨
الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله الواحد القهار.
العاشر التبري و المراد منه أن يتبرأ من حوله و قوته و الالتفات إلى نفسه بعين الرضا و التزكية فإذا تلا آيات الوعد و المدح للصالحين فلا يشهد لنفسه عند ذلك بل [١] للموقنين و المحسنين و يتشوق أن يلحقه الله بهم و إذا تلا آيات المقت و الذم للعصاة شهد نفسه هناك و قدر نفسه المخاطب خوفا و إشفاقا و الوجه في هذا أن الإنسان لما كان من شأنه أن يتطور بأطوار الوجود و يتحرك من حضيض النقص إلى ذروة الكمال و المتحرك في كل مقولة يجب أن يكون حاله بحسب تلك المقولة ما بين محوضة الفعل و صرافة القوة إذ متى حصلت له فعلية تلك المقولة انقطعت حركته فكذلك النفس في تدرجها إلى مراتب الكمال يجب أن تكون منكسرة البال خائفة خاسئة وجلة غير راضية بشأنها و حالها التي فيها حتى يقع لها الترقي إلى حالة فوقها فإذا رأى الإنسان نفسه بصورة التقصير كان رؤيته سبب قربه فإن من أشهد البعد في القرب لطف له الخوف حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءها و من أشهد [٢] القرب في البعد مكر به الأمن و يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما كان فيه فمهما كان مشاهدا نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه و إذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه و لم يشاهد إلا الله في تلاوته انكشفت له الملكوت و بعد أن يتبرأ القارئ عن حول النفس و قوتها و لم يلتفت إليها يقع له مكاشفات بحسب أحوال المكاشف فحيث يتلو آيات الرجاء يغلب على حاله الاستبشار و ينكشف له صورة الجنة كأنه يراها عيانا و إن غلب عليه الحزن كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها و ذلك لأن كلام الله مشتمل على السهل اللطيف و الشديد العسوف و المرجو و المخوف و ذلك بحسب أوصافه إذ منها الرحمة و اللطف و الانتقام و البطش فبحسب مشاهدة الكلمات و الصفات ينقلب القلب في اختلاف الحالات و بحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسبها إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا و المسموع مختلفا إذ فيه كلام راض و كلام غضبان
[١] . بل يشهد، (الإحياء).
[٢] . شهد، (الإحياء).