مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٦٣
و أما قوله تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [١] و قوله وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [٢] و قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [٣] فليس معناه ما فهموه بل الحق بالتصديق هو أن خلق العالم بدأ من الله أولا على سبيل الإبداع من الألطف فالألطف و الأقرب فالأقرب حتى انتهى إلى أكثف الأشياء و أكدرها و أبعدها عن الحق و هو مثل التراب و الهيولى ثم حصلت سلسلة أخرى رجوعية مترقية بالتمحيص و التجريد من الأكثف فالأكثف إلى الألطف فالألطف حتى حصلت الأرواح و النفوس البشرية السعيدة و الشقية المطيعة و العاصية و هي قابلة للحشر و النشر مع تبعاتها و لواحقها و آثارها المترتبة عليها من الروح و الراحة و الحور و الجنة و القصور و الغرف و الأنهار و المحنة و البلاء و النار و الحميم و الزقوم و غيرها فكما أن في الابتداء كان الترتيب بين الأشياء ترتيبا ذاتيا بين السبب و المسبب و الملزوم و اللازم ففي الإعادة يجب أن يكون ترتيب الوجود بين الأمور مثل ذلك الترتيب الذي كان أولا حتى يصدق قوله كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فإن [٤] مفهوم الإعادة دال على ما ذكرناه.
و أما خلق الإنسان من التراب أو النفس من البدن أو تكوين الأولاد من النطف فهذا على خلاف نشأة الابتداء و عكسه ففي نشأة البداية خلقت الأبدان من الأرواح و الأجساد من النفوس فهكذا الأبدان الأخروية و أجرامها كلها من توابع الأرواح و أظلالها كما قد نبهنا عليه كثيرا و كيف لو لم يحمل معاني الآيات على ما ذكرناه و حملت على ما تصوروه لكانت نشأة الآخرة مثل نشأة الدنيا بلا فرق و الاتفاق حاصل بأن الدنيا و الآخرة متضادان في نشأة الوجود و هما ضرتان متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى و كما أن نشأة الابتداء أوجدها على غير مثال سبق بخلاف الأكوان الدنيوية فهكذا النشأة الآخرة يوجدها الله على غير مثال سبق مع كونها محسوسة عندنا بلا شك و قد ذكر رسول الله ص صفة نشأة أهل الجنة و النار ما يخالف هذه النشأة الدنيا فعلمنا أن ذلك راجع إلى عدم
[١] . الأعراف ٢٩
[٢] . الواقعة ٦٢
[٣] . الأنبياء ١٠٤
[٤] . الأعراف ٢٩