مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٤٨
أفكارك و سيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صور روحانية و جسمانية فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك و يحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك و إن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك و تهتدي في أخراك إلى جوار الله و كرامته و هذا المعنى هو المسمى في عرف الحكماء و لسان أهل العلم بالملكة و في لسان أهل النبوة و الشهود بالملك و الشيطان و المال منهما واحد و لو لم يكن لتلك الملكات من البقاء و الثبات ما يبقى به أبد الآباد و لم يكن لخلود أهل الطاعة في الثواب و أهل المعصية في العقاب وجه فإن منشأ الثواب و العقاب لو كان نفس العمل و القول و هما زائلان فكيف يتصور بقاء المعلول و المسبب مع زوال العلة و السبب و الفعل الجسماني الواقع في زمان متناه فكيف يكون منشأ للجزاء الواقع في الزمان الغير المنقطع و مثل هذه المجازاة سيما في جانب العقاب لا يليق بالحكيم و قد قال وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١] و قال وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٢] و لكن إنما يخلد أهل الجنة و أهل النار في النار بالثبات أعني الملكة الراسخة و مع ذلك فكل من فعل مثقال ذرة من الخير أو الشر يرى أثره و مكتوبة في صحيفة ذاته أو صحيفة أرفع عن ذاته مخلدا أبدا و إذ حان وقت أن يقع بصره إلى وجه ذاته عند فراغه عن شواغل هذه الحياة الدنيا و ما يورده الحواس و يلتفت إلى صفحة باطنه و حقيقة قلبه و هو المعبر عنه بقوله وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [٣] فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه و روحه يقول عند حضور ذاته لذاته و مطالعة صفحة وجهه ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصيها و وجدوا ما عملوا حاضرا [٤] يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا [٥].
و قد ورد في تجسيم الأخلاق و تكوين النيات في الآخرة أحاديث متكثرة
[١] . ق ٢٩
[٢] . البقرة ٢٢٥
[٣] . التكوير ١٠
[٤] . الكهف ٤٩
[٥] . آل عمران ٣٠