مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٤٣
لهم فيها ما يشاءون [١] ليكون لكل من السعداء و الأشقياء بحكم العدالة نصيب من الجبر و نصيب من الاختيار على التعاكس في النشأتين.
و لما تبين في مقامه أن جميع ما هو ثابت في المرتبة السفلى من الأحوال و الصفات فهو ثابت في العالم الأعلى على وجه أرفع و أشرف و أصفى و أنور حتى إن التضاد الواقع في هذا العالم الموصوف به أصحاب الشمال يوجد في أهل الجنان و الأبرار لكن ملابستهم إياه ليس على وجه التضاد الحقيقي بل على وجه يليق بذلك العالم فإن التضاد في عالم التفرقة يوجب التفاسد و البطلان و في عالم الجمعية يوجب التمامية و الكمال فتضاد أهل النار كحرارة السموم و برودة الزمهرير و تضاد أهل الجنة إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا [٢] يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا [٣] و الكافور و الزنجبيل ليسا متضادين هناك لأن عالمهم يرتفع عن عالم التضاد و كذلك النزاع بينهم ليس تخاصما حقيقيا ينشأ من غل الصدور و يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها و لا تأثيم [٤] لصفاء قلوبهم و ارتفاع جواهرهم عن عالم التفرقة و مضيق التضاد و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين [٥] و كذلك اتصاف ملائكة الله بالاختصام.
و أما مخاصمة أهل النار فهي حقيقية إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [٦] و لذلك كلما دخلت أمة لعنت أختها [٧] فقد علم مما ذكر أن المتضادين من جهة أن كليهما وجودين و الوجود خير محض ينبغي أن يكون كلاهما منشأ الارتياح لكن بالقياس إلى ما ليس لضيق وعائه الوجودي مقصور الذات في أحد الطرفين مختصا بأحدهما كالماء و النار و ما يجري مجراهما من الجواهر و الأعراض الكثيفة المادية فإن الذات الكاملة المرتفعة عن عالم التضاد مسلمة عن شر التضاد بل ربما يكون كلا الطرفين يفعل فعلا كفعل الآخر باعثا لسلامته كما في قوله تعالى قُلْنا يا
[١] . الفرقان ١٦
[٢] . الدهر ٥
[٣] . الدهر ١٧
[٤] . الطور ٢٣
[٥] . الحجر ٤٧
[٦] . ص ٦٤
[٧] . الأعراف ٣٨