مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٤
بصفة الآية المذكورة و يتخلق بها فعند الوعيد يتضاءل [١] من خيفته كأنه يكاد يموت و عند التوسع و وعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح و عند ذكر صفات الله و أسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله و عظمته و عند ذكر الكفار ما يستحيل عليه [٢] يغض صوته و ينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم و عند ذكر الجنة ينبعث من باطنه شوقا إليها و عند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها
و لما قال رسول الله ص لعبد الله بن مسعود: اقرأ علي قال افتتحت سورة النساء فإذا بلغت إلى قوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [٣] رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي حسبك الآن
و هذا لأن مشاهدة تلك الحال استغرقت قلبه بالكلية و لقد كان في الخائفين من خر مغشيا عليه عند آيات الوعيد و منهم من مات في سماع تلك الآيات.
فينبغي لتالي القرآن أن يتصف ذاته بمثل هذه الأحوال حتى يخرج عن أن يكون حاكيا في كلامه فإذا قال إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [٤] فإذا لم يكن خائفا كان حاكيا و إذا قال عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا [٥] و لم يكن حاله التوكل و الإنابة كان حاكيا و إذا قال وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا [٦] فليكن حاله الصبر على الأذى و العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة و فضيلة التدبر و حسن التخلق فإن لم يكن بهذه الصفات و لم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من تلاوة القرآن حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [٧] و في قوله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [٨] و في قوله وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [٩] و في قوله فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا [١٠] إلى غير ذلك من الآيات و كان داخلا في
[١] . أي يتصاغر
[٢] . أي كذكرهم لله ولدا و صاحبة
[٣] . النساء ٤١
[٤] . الأنعام ١٥
[٥] . الممتحنة ٤
[٦] . إبراهيم ١٢
[٧] . هود ١٨
[٨] . الصف ٣
[٩] . الأنبياء ١
[١٠] . النجم ٢٩