مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٢
كالجدار و الجبل و هذه الحجب الوجودية مما رصد لها الشيطان على قلوب بني آدم فعميت عليهم أسرار معاني القرآن
قال ص: لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت و معاني القرآن من الملكوت إذ كل ما لا يدرك إلا بنور البصيرة فهو من عالم الملكوت
و هذه الحجب أربعة الأول أن يكون الإنسان مصروف الهمم إلى تحقيق الحروف و إخراجها من المخارج في الصلاة و غيرها هذا مما يتولى حفظه شيطان وكل به ليصرف وجه القلب عن عالم المعاني و أعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس.
و ثانيها التقليد لمذهب سمعه من الشيوخ و جمد عليه و ثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع لمن وقع منه الإسماع من غير وصول إليه ببصيرة فهذا شخص قد قيده معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه لا يمكنه أن يتجاوز عن مقامه فإن لمع برق على بعد و بدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة و قال كيف تخالف معتقد آباءك فيزعم أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه و يحترز عن مثله و لمثل هذا قالت المتصوفة إن العلم حجاب و هذا القول إن صدر عن محققيهم فالمراد بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب و ألقوها إليهم و أما العلم الحقيقي الحاصل بالكشف و المشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا و هو عين المقصد و منتهى المطلب.
و ثالثها أن يكون مستغرقا بعلم العربية و دقائق الألفاظ مصروف العمر في تحقيقها فإن المقصود الأصلي من إنزال القرآن ليس إلا سياقة الخلق إلى جوار الله بتكميل ذواتهم و تنوير قلوبهم بنور معرفة الله و آياته دون صرف الأوقات في نحو الكلام و تحسين الألفاظ و علم البلاغة و فن البديع فإن ذلك من التوابع التي بها يقع الاحتجاج على المنكرين و أما الاستبصار لمعاني آيات القرآن فيكفي لها دون ما بلغ إليه الزمخشري و أترابه و استفرغوا أوقاتهم و بذلوا غاية سعيهم و جهدهم فيه فلا جرم