مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦١٩
المفتاح التاسع عشر في نبذ من أحوال القيامة و مقاماتها و فيه مشاهد
المشهد الأول في صفة طريق الآخرة و سبب إعراض الخلق عنه
اعلم أن طريق الآخرة سهلة للنفوس السليمة غير وعرة عليهم و فطر النفوس مجبولة على سلوكها لو لم يعرضوا عنها لما بينا في مباحث إثبات الغايات أن الموجودات كلها متوجهة نحو المبدإ الأعلى و لكن الناس عنها معرضون و إلا فالطريق واضحة و العلامات منصوبة و الحجج باهرة و الهداة و القواد موجودون و المعلمون معتمدون و الرسل مرسلون و المتوسطون بين الله و بين عباده قائمون بأمره و نهيه و الكتب و الرسالات منزلة منه إلى الخلق بإعلامهم و إرشادهم و بالجملة البرهان قاطع و القرآن ساطع كما قال عز و جل لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ [١] و قوله قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
و مما يوضح لك أن سلوك طريق الآخرة سهل يسير أن ورود السالك في سلوكه إليه تعالى إنما يقع على ما وقع صدوره عنه من المنازل و المقامات التي مر عليها حين نزوله من الفطرة الأولى فكل مرتبة و درجة يصل إليها و يقف عليها فهي بعينها التي كأن رآها نزلة أخرى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [٣] و لكن الخلق غافلون معرضون عنها و الناس ناسون إياها كما قال
[١] . الحديد ٢٥
[٢] . المائدة ١٥
[٣] . البقرة ٢٨٦