مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٠٦
الغائبة عن عالم الحواس و هي آخر هذه النشأة الأولى و أول النشأة الثانية فالنفس إذا فارقت البدن و فارقت هذا العالم حملت معها القوة الخيالية المدركة للصور الجسمانية فيشاهدها و لا يزاحمها حينئذ شيء من حواس البدن مشاهدة أقوى من مشاهدة الحس لها و يتصور الإنسان عند ذلك ذاته بصورته الجسمانية التي كانت تحس بها في وقت الحياة البدنية الحسية كما في المنام كانت نفسه تتصور بدنه الشخصي و تحس به و الفرق بين ما يسمى إحساسا أو مشاهدة و بين ما يسمى تخيلا ليس إلا بقوة الظهور و ضعفه فالمدرك بالإدراك الخيالي [١] يسمى مشاهدة سواء أدرك بهذا العين المسمى بالباصرة أو بعين الخيال فما يدركه الخيال عند اليقظة يسمى تخيلا لكثرة شواغل الحواس و مزاحمتها لعين الخيال و ما يدركه في المنام يسمى رؤيا و مشاهدة لقلة شواغل الحواس عند ركودها و من الرؤيا ما يكون أشد ظهورا و أكثر تأثيرا من الرؤية بهذا العين و ما يكون منها أقل ظهورا و أنقص تأثيرا من الرؤية بهذا العين فإن سببه وجود هذه الحواس و شواغل آثارها المرتفعة إلى النفس و كدوراتها المتواصلة إلى عين الخيال كالغبارات و الأدخنة المرتفعة من الأرض إلى عين الحس الغاشية عليها الحاجبة إياها عن تمام المشاهدة للأشياء الموجودة في حواليه و إذا زالت و ارتفعت عادت المشاهدة التي من شأن هذا العين.
فهكذا يجب أن يعلم أن المانع لتمام المشاهدة و الرؤية بحس الباطني المسمى بالخيال في المشهور إنما هو آثار شواغل هذه الحواس و تلك الآثار لا يرتفع بحيث لا يبقى منها شيء إلا بالموت و عند ذلك ينكشف الغطاء تمام الانكشاف و يتجلى صور الأشياء غاية الانجلاء و يكون البصر الباطني للإنسان حديدا كما قال تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٢] و حينئذ يكون ما يراه النفس بالحس الباطن أشد ظهورا بكثير مما كانت يراه في يقظة هذا العالم التي حكمها بالقياس إلى انتباه الآخرة حكم المنام بالقياس إليها كما
في قوله ع: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا
و
[١] . التخيلي، ن ل
[٢] . ق ٢٢