مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٩٧
الحاصلة من النفس بقوتها الخيالية في صقع آخر من الأشكال و الأعظام و الأجرام التي هي كالأفلاك العظيمة بأعداد كثيرة من الجسمانيات فإنها ليست قائمة بالجرم الدماغي و لا في هذا العالم و لا في عالم العقول المحضة و لا في عالم الأشباح الكلية بل في عالم النفس و حضرتها الخارجة عن هذا العالم الهيولاني و لا شبهة في أن ما يتصوره النفس بقوتها المصورة و يراه و يشاهده بباصرتها الخيالية لها وجود لترتب الأثر عليه و الوجود مبدأ الأثر و ربما كان المرئي في الباطن أشد أثرا من المرئي في الظاهر فإن لم يكن أثره دائما.
و لعمري لو كان شهود النفس إياه دائما لكان أثره و فعله دائما إلا أن النفس ينصرف عن شهود ما يراه في النوم إذا استيقظت من نومه لشواغل الحواس و الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا و الانتباه الحاصل للنفس في الآخرة بالموت انتباه لا نوم بعدها فما يراه عند ذلك أقوى تأثرا و أشد إلذاذا و إيلاما من هذه المحسوسات التي يراها في الدنيا و لو فرض ارتفاع هذه الشواغل و اجتماع الهمة و قوة العزيمة و انحصار القوى في المتخيلة يكون تلك الصور أشد حضورا و كشفا للنفس مما يراه بهذه الحواس و يسمعها و يذوقها و يلمسها و يكون تلك القوة الواحدة حسا مشتركا يبصر و يسمع و يذوق و يشم و يلمس و يكون بوحدتها قوة دراكة و قدرة فعالة فيصير القوة فعلا و ينقلب العلم في حقهم عينا و التخيل مشاهدة و الغيب حضورا.
الأصل الخامس أنك قد علمت ما ألهمني الله به من أن القوة الخيالية و الجزء الحيواني من الإنسان جوهر مجرد عن هذا البدن الحسي العنصري و الهيكل المحلول البشري فهي عند تلاشي هذا القالب المركب و اضمحلال أعضائه و آلاته باقية غير داثرة و مع ذلك غير مجردة عن التشكل و التمثل المقداري و إليه الإشارة بقوله وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [١] عبر عن النفس الحيوانية للفجار بالدابة تنبيها على أنها مبعوثة على تلك
[١] . نمل ٨٢