مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٩
و دنياهم و أحكام أولاهم و أخراهم فالقرآن كالملك المحجوب الغائب وجهه و الظاهر أمره و حكمه و قد يهتدي إليه و به من يقف على سره فهو مفتاح خزائن الملك و الملكوت و شراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت أبدا و دواء أسقام الجهالات و شفاء أمراض ذمائم الصفات التي من سقي منه شربة لم يسقم أصلا.
الثاني تطهير القلب عن خبائث المعاصي و أرجاس العقائد الفاسدة قال الله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [١] و قد مرت الإشارة إلى أن للقرآن مراتب و درجات و له ظهرا و بطنا فكما أن ظاهر جلد المصحف و ورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا فباطن معناه أيضا محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس مستنيرا بنور التوبة و كما لا يصلح لمس نقوش الكتابة كل يد فلا يصلح لنيل معانيه كل قلب إلا القلوب الصافية و لا يصل إليها إلا من أتى الله بقلب سليم [٢] و لا يمتد إليها إلا أيدي النفوس الزكية الذكية.
الثالث حضور القلب و ترك حديث النفس و هذه الصفة يتولد عما قبلها و هو طهارة القلب عن شوائب الأغراض النفسانية فإن من أخرج عن قلبه محبة الباطل فيدخل في قلبه الأنس بالحق ففي القرآن ما يستبشر به القلب إن كان أهلا له و كيف لا يطلب الإنسان الأنس بتدبر القرآن و يستأنس بأشعار المتنبي و محاضرات الراغب و مقامات الحريري و فيه ما لا يخفى من متنزهات القلوب و متفرجات الأرواح و بساتين الضمائر و أغذية النفوس و قرة العيون و حياة الحيوان و روح الإنسان.
الرابع التدبر و هو غير حضور القلب إذ رب وقت لا يشغل الإنسان قلبه بغير القرآن و لكن يقتصر على سماع القرآن من نفسه من غير تدبر و المقصود الأصلي فيه هو التدبر و هو روح كل عبادة
و عن أمير المؤمنين ع: لا خير في عبادة لا فقه فيها و لا في قراءة لا تدبر فيها و إذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديده فليردد إلا أن يكون في الصلاة خلف إمام
و روي: أنه ص قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها
[١] . الواقعة ٧٩
[٢] . الشعراء ٨٩