مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٩
و أما في القسم الثاني فبإدراك مؤلم مؤذ كالعضو الذي به وجع شديد فاليد المفلوجة أسوء حالا من يد الملسوعة و الملسوعة أشد ألما من المفلوجة و ذلك لأن الهيئات الانقهارية للنفس عن البدن قبيحة لها مولمة لجوهرها مضادة لحقيقتها لأن حقيقتها يستدعي أن يكون لها هيئة استعلائية قهرية على البدن و قواه الشهوية و الغضبية فإذا انقهرت عنها و انقادت و أذعنت إياها و خدمتها في تحصيل مآربها الدنية كان ذلك موجبا شقاوتها و تألمها و حسرتها لكن كان إقبالها على شواغل البدن ينسيها عن أمر عاقبتها و يشغلها سكر الطبيعة عن الشعور بفضيحتها و الآن إذا زال العائق و ارتفع الحجاب و كشف الغطاء بموت البدن فيتأذى النفس بتلك الهيئات الردية أشد الأذى و لكن لما كانت هذه الهيئات غريبة عن جوهر النفس و كذا ما يلزمها فلا يبعد أن يزول في مدة من الدهر متفاوتة حسب تفاوت العوائق في رسوخها و ضعفها و كثرتها و قلتها إن شاء الله.
و للإشارة إلى هذا ورد في الشريعة الحقة أن المؤمن الفاسق لا يخلد في النار و سيجيء تحقيق الكلام في وعيد صاحب الكبيرة و إبطال قول من ذهب إلى تخليده في النار كالمعتزلة.
أما القسم الثالث فهو النقص الذاتي للشاعر بالعلوم و الكمال العقلي في الدنيا و الكاسب لنفسه شوقا إليه ثم تارك الجهد في كسبه ففقدت عنه القوة الهيولانية و حصلت له فعلية الشيطنة و الاعوجاج و رسخت في وهمه العقائد الباطلة فهي الداء العياء التي أعيت أطباء النفوس المريضة عن دواه و هذا الألم الكائن عنها بإزاء اللذة و الراحة الكائنة عن مقابلها و كما أن تلك أجل من كل إحساس بأمر ملائم فكذلك هذه أشد من كل إحساس بمناف حسي من تفريق الاتصال بالنار و تجميد بالزمهرير أو قطع بالمناشير أو سقطة من شاهق و عدم تصور ذلك الألم في الدنيا سببه ما ذكرناه فهذه و التي بإزائها هما الشقاوة و السعادة العقليتان المعروفتان عند الحكماء و نحن بصدد المثوبات و العقوبات الحسيتين عن قريب إن شاء الله