مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨
الفاتحة الثانية في الإشارة إلى آداب الناظرين في علم القرآن المتدبرين في آيات الله تعالى و هي عشرة
الأول فهم عظمة الكلام و قد لوحنا إليه في المفتاح السابق شيئا مما ألهمنا الله به و جعل قسطنا فيه فلينظر المتأمّل في فضل الله و رحمته كيف لطف بخلقه في إيصال كلامه إلى أفهامهم و أذواقهم و كيف جذبهم الله بحبل القرآن العظيم في طي أصوات و حروف هي من صفات البشر و لو لا أنه استتر كنه جمال كلامه بكسوة الحروف و الألفاظ لما ثبت لسماع كلامه عرش و لا فرش و لتلاشي ما بينهما من سبحات نوره و عظمة برهانه فالله لطيف بعباده حيث أنزل إليهم نور كلامه في ليالي الأكوان الطبيعية و حجب الصفات البشرية و لو لا أن ثبت الله موسى سلام الله على نبينا و عليه لما أطاق سماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكا دكا ثم العجب أن هذا الكلام مع نزوله في طي هذه الحجب الجسمانية و احتجابه بسواد هذه الأرقام الظلمانية لم يمنع عن مشاهدة أنوار الحكمة و لمعات جمال الأحدية بل تنورت الحروف و الأصوات بنور المتكلم و تشرفت الكتابة و الأرقام بشرفه فكان الصوت للحكمة جسدا و مسكنا و نور الحكمة للصوت نفسا و روحا فكما أن أجساد البشر تكرم بكرامة الروح فكذلك أصوات الكلام تكرم و تشرف بشرف الحكمة التي فيها أ و لا ترى أنه رفيع المنزلة نافذ الحكم في القلوب و البواطن فكيف على الأبدان و الظواهر حيث لا طاقة للباطل أن يقوم بين يدي شعاع الحكمة كما لا يستطيع الظلمة أن يقوم قدام شعاع الشمس و كما لا طاقة لضعفاء الأبصار أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس و لكن ينالون به على قدر ما يجيء به أبصارهم و يتسببون به إلى حوائجهم و يهتدون إلى معايشهم فكذلك لا طاقة لضعفاء العقول و البصائر أن ينفذوا ببصائرهم نور عين الحكمة القرآنية و لكن ينالون منه على قدر ما يستدلون به على صحة الاعتقاد الذي به حياة العباد يوم المعاد و يهتدون به إلى مصالح دينهم