مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٤٤
ما عاش عليه و يحشر على ما مات عليهو تحقيق ذلك كما سيأتي أن حضور الروح عند مقصوده ليس بقطع المسافة كما هو حضور الجسد به لبراءته عند الجهة بل يتصور مشتهاه و تعقل مرامه فمتى تعقل شيئا يكون فيه بل هو هو كما ذهب إليه فرفوريوس موافقا لأستاذه معلم الفلاسفة قال تعالى لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [١].
فما يريده الروح يستحضره لا أنه يكون موجودا ثم يستحضره بل يستحضره موجودا و يتصوره حاضرا و من هاهنا يعلم أن ما وعد في الجنة مما لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [٢] و مما هو معد لعباده الصالحين مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فتصور الحضور عند الرب يوجب الحضور عنده سواء كان رب الأرباب أو ربه و معبوده و محبوبه و مقصوده كما أن تصور الصور المليحة تحرك الشهوة إليها تصور القبيحة يوجب النفرة عنها في عالم التصور النفسي و أما مغايرة التصور و الحضور فذلك في عالم المادة البدني إذ وجود المادة الظلماني غير صورته العلمي النوراني و قد شاع في القلوب و استحكم في الأذهان أن الأرواح يكون في الجنة أو النار و نحن نقول إن الجنة و النار في الأرواح لا يسعني أرضي و لا سمائي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن فإذا وسع رب الجنة و النار فكيف لا يسعهما قال أبو يزيد البسطامي لو أن السماوات و الأرض و ما بينهما ألف مرة في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحس بها يا داود فرغ لي بيتا أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي يا إبراهيم طهر بيتي للطائفين و العاكفين اكنس بيتك من قاذورات الأبالسة و رش فيه ماء ورد الإخلاص في العلم و العمل حتى يحل محبوبك فيه و إلا فلا تطمع في وصاله فإن الضدين سيما غاية النور و غاية الظلمة لا يجتمعان و الحضور المذكور في الآية عند الرب إشارة إلى أن الروح غير ذي مكان إذ القرب مما هو لا في مكان لا يتصور من ملابس مكان بل القرب منه بالتخلق بأخلاقه و الانتقاش بما هو مسطور في كتابه الذي لا يمسه إلا المطهرون [٣].
[١] . فصلت ٣١٠
[٢] . سجدة ١٧
[٣] . واقعة ٧٩