مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٥
الرابع أن في الإنسان قوة ذات تجرد المعقولات عن المواد و عوارضها فتجردها إما لذاتها و هو باطل و إلا لما عرض لهذا التجسم و الموجود خلافه أو لما أخذت هي عنه أي المادة و عوارضها و هو أيضا باطل فإن المادة و عوارضها من أسباب التجسم فيستحيل أن يكون منشأ التجرد و إلا لزم التناقض فبقي أن يكون تجردها بسبب القوة العاقلة فلم يكن هذا الوجود التجردي لها وجود أمر في جسم و بذلك ثبت المطلوب.
و من المشرقيات في أن محل الحكمة قوة مجردة عن الجسم و عوارضه أن كل صورة أو صفة حصلت في جسم فإذا زالت عنه و بقي المحل فارغا عنها يحتاج ذلك المحل في استحصالها ثانيا إلى استيناف سبب كأول الأمر من غير أن يكون مكتفيا بذاته إذ ليس هذا من شأن الجسم ثم إن النفس شأنها في الصور العقلية أن يصير بعد استحصالها من معلم أو فكر مكتفية بذاته في استرجاعها متى شاءت فالنفس تعالت عن أن يكون جرمية فهي روحانية و أيضا كل جوهر مادي لا يمكن أن يتزاحم عليها صور كثيرة فوق واحدة و صور العلوم كلها لا يمكن أن يجتمع في دفتر واحد جسماني و أما النفس فهي لوح اجتمعت فيه علوم شتى و صنائع تترى و أخلاق مختلفة و أعراض متخالفة و أهواء متفرقة فليذعن أنها دفتر روحاني و لوح ملكوتي لا يتراكم فيه الصور لما يتراكم و يتزاحم في الهيولى الجسمانية كتب الله بالقلم العقلي على هذا اللوح ما يشاء من صور الحكمة و البرهان و إليه الإشارة بقوله تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[١]
المشهد الثاني في استبصارات يفيد الطمأنينة في أن النفس الإنسانية من عالم آخر
اعلم أن براهين تجرد النفس عن هذا البدن كثيرة قد ذكرنا طرفا منها في المبدإ و المعاد و غيره فليطلب من أراد الاستقصاء من تلك المواضع و كتب الحكماء مشحونة بذكر أحوال النفس و مع ذلك بقي أمرها في
[١] . مجادلة ٢٢