مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٠٥
عن عالم المادة و الحركة و الكلام في أن أيهما أشرف طويل و حاجة الحيوان إلى الحواس من جهة الحركة لتحصيل الغذاء و لهذا يكون الحركة في الحيوان أشرف من الإدراك شرف الغاية على ذي الغاية و أما الإنسان فحاجته إليها لأجل العلوم العقلية المنتزعة من الحسيات و لهذا قيل من فقد حسا فقد علما فالإدراك في الإنسان أشرف من الحركة لأنه غايتها.
فانظر إلى ترتيب حكمة الله في خلق الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك فأولها حاسة اللمس و إنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة أو سيف جارح تحس به و تهرب منه و هذا أول حس يخلق للحيوان و لا يتصور حيوان إلا و له قوة اللمس لأنه لو لم يحس أصلا فليس بحيوان و أنقص درجات الحس أن يحس بما يلاصقه و يماسه فإن الإحساس بما يبعد منه إحساس أتم لا محالة و الجامع للأتم جامع للأنقص كما برهن عليه و يظهر من قاعدة الإمكان الأشرف فهذا الحس موجود لكل حيوان لأن تركيبه من عناصر ذوات أوائل الكيفيات الملموسة و قوام الشيء من جنس ما يدرك منه حتى الدود التي في الطين و تسمى بالخراطين فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات فإنه إذا قطع لا ينقبض إذ لا يحس بالقطع و إن كان للنبات بل الجماد إدراك على نمط آخر يعرفه المكاشفون و يحجب عنه المترسمون إلا أنك لو لم يخلق لك إلا هذا الحس لكنت ناقصا كالدود لا تقدر على طلب الغذاء من مكان يبعد عنك فافتقرت إلى حس آخر تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشم إلا أنك تدرك الرائحة و لا تدري من أي ناحية جاءت فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب فربما تعثر على الغذاء الذي شممت رائحته و ربما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق فيك إلا هذا فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك و تدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران و الحجب و في الظلمة و قد لا ينكشف إلا بعد قرب العدو و المهروب عنه فتعجز حينئذ عن الهرب فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدران و في الليالي المظلمة عند جريان