مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٤
ذكرها في مثال المرآة فهي كالحجاب الحائل بين مرآة القلب و بين اللوح المحفوظ الذي مكتوب فيه جميع ما قضى الله تعالى به إلى يوم القيامة فيتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب و هذا التجلي من اللوح إلى القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها و الحجاب بين المرآتين تارة يزال بتعمل من استعمال جارحة و تارة يزال بسبب علوي كهبوب ريح يحركه فكذلك قد تهب رياح ألطاف الله فتكشف الحجب عن أعين القلوب فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم و لا في محله و لا في سببه لكن يفارقه من جهة زوال الحجاب فإن ذلك ليس باختيار العبد و لم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم فإن العلوم يحصل في القلب ما دام بقاء إنيته بواسطة الملائكة.
إذا عرفت هذا فاعلم أن [١] هذا ميل أهل التصوف في باب العلوم الإلهية [٢] دون التعليمية فلهذا لم يحرصوا على دراسة العلم و مطالعة [٣] ما صنفه المصنفون و البحث عن أقاويلهم بل طريق قطع العلائق و محو الصفات و الإقبال بكنه الهمة إلى الله و مهما حصل ذلك فكان الله هو المتولي لقلب عبده و المتكفل لتنويره بأنوار العلم و إذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة و أشرق النور في القلب و انشرح الصدر و انكشف له سر الملكوت و انقشع عن وجهه حجاب العزة و تلألأ فيه حقائق الأمور الإلهية و الجواهر العقلية فقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك و جلاء و تصفية ثم استعداد و انتظار فقط فمن كان لله كان الله له.
و أما العلماء النظار و ذو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق و إمكانه و إفضاءه إلى هذا المقصد على وجه الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء و الأولياء و لكن استوعروا هذا الطريق و استبطئوا ثمرته و استبعدوا اجتماع شروطه و زعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر و إن حصل في حال فثباته أبعد منه إذ أدنى وسواس و خاطر يشوش القلب كما
[١] . أن ميل، إحياء
[٢] . إلى العلوم الإلهامية، إحياء
[٣] . و تحصيل، إحياء