مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٣
و معرفة فناء الخلق كلهم في الطامة الكبرى و القيامة العظمى و شهود كرام الكاتبين و ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب فهذه و أمثالها أمور خارجة عن إقليم العقلاء المتفكرين و سعة دائرة عقولهم الفكرية بل إدراكها متوقف على نور النبوة و الولاية كما أن إدراك كثير من المقاصد الحكمية خارج عن حد المتكلم يهدي الله لنوره من يشاء [١]
المشهد السادس في تأكيد الفرق بين طريق العقلاء النظار و طريق الأولياء ذوي الإلهام و الاستبصار
و اعلم أولا أن النفس في أول الأمر خالية عن العلوم كلها و لها بحسب أصل الفطرة قوة محضة هيولانية و إنما يحصل للقلب من الله تعالى بحسب ما لها من الفطرة الثانية علوم كمالية و أنوار عقلية إما ابتداء من غير اكتساب كأنها ألقيت إليه من حيث لا يدري و ذلك لشدة استعداده للتنوير كفتيلة استعدت للاشتعال فكاد زيتها يستضيء و لو لم تمسسه نار و إما عقيب طلب اكتساب و استدلال و الذي يحصل لا بالاكتساب و بغير تمحل [٢] استدلال و اجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه كيف حصل له و من أين حصل و إلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم و هو مشاهدة الملك الملقي في القلب و الأول يسمى إلهاما و نفثا في الروع و الثاني يسمى وحيا و يختص به الأنبياء سلام الله عليهم و الأول يختص به الأولياء و الذي قبله هو المكتسب بطريق الاستدلال يختص به الحكماء فكل نبي ولي دون العكس و كل ولي حكيم من حيث المعرفة لا من حيث الطريق دون العكس.
و أما المتكلم فليس له طريق يؤدي إلى بصيرة و لا إلى معرفة أصلا و حقيقة القول كما ذكره بعض العلماء [٣] من أن القلب يستعد لأن يتجلى فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها و إنما حيل بينه و بينها بالأسباب التي سبق
[١] . نور ٣٥
[٢] . أي الحيلة أي الجودة في الذهن
[٣] . و هو الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين