مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٤
قابلة للذبول و الانحلال بتقليل الطعام و الشراب و تكثير السهر و الاضطراب و رفض الدعة و ترك الرفاهية
كما أشار إليه ص لبعض أزواجه:
إن الشيطان ليجري بابن آدم مجرى الدم ألا فضيقي مجاريها بالجوع و العطش
قال الجنيد الجوع طعام الله في الأرض و قال غيره الجوع سحاب لا يمطر إلا الحكمة و لذلك اعتادت الصوفية القعود في الخلوات و ارتاضت نفوسهم بالمجاهدات رياضة للجسد و قواه و ذبحا لشموس [١] النفس الشهواني و نحر الجمل الحقود الغضبي تقربا بقرابينها إلى قربة المشاهدة و المواجهة و رتبتي المكالمة و المشافهة.
و من هاهنا زعمت الضعفاء أن النبوة كسبية فالخاصية الأولى موهوبة و الباقيتان موكولتان إلى قدر الخليقة بمعاونة الحق.
و هذه الخواص الثلاث كلها قد أوتيت لمحمد ص كما وقعت الإشارة إليه في القرآن أما صفاء جوهر النفس فلقوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [٢] و أما كمال القوة النظرية فلقوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ [٣] و هل الصلاة إلا طلب القربة إلى الله زلفى و العروج إليه بالمناجاة و المكالمة و أما تسخير القوة الحيوانية فلقوله وَ انْحَرْ [٤] إشارة إلى ذبح جموح النفس الشهوي و الغضبي حتى لا يكون معاوقة ممانعة.
و الحاصل أن النفس الناطقة الإنسانية من سنخ الملكوت و جوهر اللاهوت متى تشبهت بتلك المبادي و تخلقت بأخلاق الله في وصفي العلم و العمل يفعل فعلها و إن كان أنقص منه و هذا كالحديدة الحامية و الزجاجة المملوة الصافية فالأولى يفعل فعل النار من الإشراق و الإحراق و الحرارة و النورية لاتصافها بصفتها بل لتصورها بصورتها المحرقة المضيئة و الثانية يتلون بلون الخمر المصبوب فيها لخلوها عن صفة تضاد صفة ما لها كما يحيى البدن بنفخ الروح المنفوخ فيه كما قيل شعر
رق الزجاج و رقت الخمر
فتشابها و تشاكل الأمر
فكأنه خمر و لا قدح
و كأنه قدح و لا خمر