مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٥
و هي أنهار من لبن لم يتغير طعمه و الطبيعيات و هي أنهار من خمر لذة للشاربين و الإلهيات و هي أنهار من عسل مصفى لأنه صفا عن شمع القشر إذ الإلهيات لباب العلوم كما أن الإله لب الوجود و لكل من البحرين سفينة و لها راكب [١].
أما راكب بحر المعقولات فهو العقل و سفينته القوة النظرية الفكرية و أما راكب بحر المحسوسات فهو الوهم و سفينته القوة المتخيلة فقد مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان [٢] و البرزخ هو الحائل بين الشيئين و هو الخيال فإنه كالجبل الحائل بين عالم المعقول و عالم المحسوس و لولاه ما منع موسى بن عمران عن رؤية الحق و غاية هذه السباحة و السياحة و هذا السفر في البر و البحر هو التولي شطر كعبة المقصود و التوجه إلى ولي الخير و الجود و حاصل هذه التجارة التي لن تبور هو بذل متاع هذا الوجه الفاني و أخذ العوض من الوجه الباقي فما عند الله خير للأبرار [٣] و هذا الوصول إلى كعبة المقصود و جهة المأمول لا يمكن إلا بالسير الحثيث العلمي الباطني بقدم التفكر و التدبر لا بمجرد حركات البدن التي لا يوجب إلا متاعب السفر دون تحصيل الزاد و المتاع للمعاد نعم الفائدة في العمل البدني و الفكري هي تصفية المرآة و إزالة الخبث و هي أمر عدمي و إنما المطلوب المقصود هو صورة وجه الوجود و من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم و العمل بالمعلوم هو التفكر فيه بتمرين القلب و تخميره و تليينه و تخشيعه و تخضيعه مرة بعد أخرى و كرة بعد أولى حتى يزيد للنفس جلاء و ضياء و إشراقا و اعتبارا و نورا و استبصارا و لهذا
قال ص تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة لم يتفكر فيها
و مثله قوله تعالى لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [٤] أي ينتهز فيها نظره إلى
[١] . هذه الفقرة تفصيل و تأويل لآية ١٥ من سورة محمد مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن و أنهار من لبن لم يتغير طعمه و أنهار من خمر لذة للشاربين و أنهار من عسل مصفى
[٢] . رحمن ١٩ و ٢٠
[٣] . آل عمران ١٩٨
[٤] . قدر ٣