مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٩
الحيرة و أخذته الغيرة استغفر و ندم على ما بدر فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [١] فنفي الشرك عن نفسه يدل على أنه كان قبل توجهه إلى كعبة الجلال و قبلة الكمال نور الأنوار العقلية و مفيض الآثار الوجودية مشركا في قوله هذا رَبِّي [٢] و لكن هذا الشرك و الاشتباه الواقع في سير الملكوت أشرف من توحيد القاطنين في عالم الناسوت فإن مثل هذا التوحيد لا ينكره أحد و لا يختلف فيه اثنان من الإنس و الجان وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [٣] فخالق الأجرام و الأجسام السماوية و الأرضية و الشمسية و القمرية كيف يكون جسما و إلا لكان خالقا لنفسه كيف و معرفة الصانع البديع للعالم الرفيع غريزي للعقول فطري للأرواح و النفوس فضلا عن أفاضل الرسل ع.
و كثيرا ما يقع للسالك عند خمود القوى و ذكاء نار البصيرة مثل هذا الاشتباه كما في قول أبي يزيد عند سكره و انطماسه في بحر نور الجلال و قطع نظره و التفاته عن نفسه سبحاني ما أعظم شأني و قول غيره ليس في جبتي سوى الله أما قول الحلاج للأسرار عند استشفافه من وراء الزجاج و شقة قميص البشرية و رفعه سربال الناسوتية فيطوي و لا يروي و يدر و لا ينتشر فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون [٤] و هذا كله عند كشفهم عن كيفية النفس الناطقة النورانية التي هي باب أول من عالم الملكوت و وقوفهم على أسرارها و آثارها حيث شبهوها بالحق الأول إذ هي مخلوقة على صورة الرحمن و هذه الحالة يسمى بلسان الحقيقة فناء في التوحيد و بلسان المجاز اتحادا و من هذا المقام زلت أقدام الحلولية و النصارى فضلت أفكارهم و أفهامهم فصاروا حيارى و تراهم سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد [٥] حيث وقعوا على بعض آثار النفس المسيحية أذعنوا له الإلهية و غفلوا عن معرفة ماهيته فمن تاب عن هذا المقام و رجع عن
[١] . أنعام ٧٩
[٢] . أنعام ٧٧
[٣] . لقمان ٢٥
[٤] . يوسف ٤٧
[٥] . حج ٢